هبة زووم – الرباط
لم يكن رحيل الفنان الكبير عبد الهادي بلخياط حدثًا فنيًا فقط، بل تحوّل، كعادته، إلى لحظة كاشفة لاختلال أعمق في علاقتنا بالفن، وبالدين، وبالحرية الفردية.
فبمجرد أن غاب الصوت الذي شكّل وجدان أجيال، عاد الجدل القديم–الجديد ليطفو على السطح: هل “تاب” بلخياط؟ وهل كان غناؤه خطيئة؟ وهل اعتزاله الفن كان تكفيرًا عن ماضٍ “آثم”؟
في خضم هذا الضجيج، جاءت تدوينة الباحث الأكاديمي يحيى اليحياوي لتعيد النقاش إلى مربعه العقلاني، لا دفاعًا عن شخص، بل دفاعًا عن الفكر من الانزلاق إلى الابتذال الفقهي، وعن الفن من محاكمات أخلاقية متأخرة لا تملك لا الجرأة ولا الشرعية.
طرح اليحياوي سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره: هل تنكّر عبد الهادي بلخياط لما قدّمه فنيًا؟ سؤال لا يملك أحد حق الإجابة عنه سوى صاحبه، وقد رحل، وما عداه ليس سوى إسقاطات أيديولوجية تُلبس الموتى ما لم يقولوه.
المشكل لا يكمن في اختيار بلخياط أن يكرّس ما تبقى من حياته للعبادة، فهذا قرار شخصي، سيادي، لا يُناقش ولا يُؤوّل. الإشكال الحقيقي يبدأ حين يتحوّل هذا الاختيار إلى سلاح رمزي يُشهر في وجه الفن، وكأن الغناء كان رجسًا، وكأن “القمر الأحمر” يحتاج إلى صك غفران.
هنا يسقط الخطاب الوعظي في تناقضه الفجّ:فإما أن يُقال إن الفن خطيئة، وهو ادعاء لا يسنده نص قطعي ولا إجماع إنساني، أو أن يُقال إن الرجل تطوّر نفسيًا وروحيًا، وهو أمر طبيعي لا يُبنى عليه حكم أخلاقي عام.
أما الادعاء بأن بلخياط “تاب” عن الغناء، فليس سوى ميزان مختلّ، كما يسميه اليحياوي، لأنه يقوم على تصنيف تبسيطي للعالم: فن = حرام وما عداه = حلال.
وهو تصنيف لا يلزم إلا أصحابه، ولا يملك أي شرعية كونية أو دينية ملزمة، فالتحليل والتحريم، كما يذكّر اليحياوي بوضوح، ليس ملعبًا للاجتهادات المزاجية ولا للفتاوى الموسمية، بل شأن إلهي محض، وكل محاولة لتوسيعه أو تضييقه وفق الهوى هي ضرب من التسلط الرمزي.
إن أخطر ما في هذا النقاش ليس فقط تشويه إرث فني، بل تطبيع فكرة الوصاية على الذوق، وعلى الروح، وعلى الاختيارات الفردية، فمن يجرؤ على تحريم عمل فني خالد بدعوى “التشدد” أو “النقاء”، لا يدافع عن الدين، بل يسيء إليه، ويحوّله إلى أداة قمع رمزي بدل أن يكون فضاءً للقيم والرحمة.
عبد الهادي بلخياط رحل، وبقي فنه، كما بقي السؤال الحقيقي معلقًا: هل نملك الشجاعة لنفصل بين الإيمان كخيار شخصي، والفن كذاكرة جماعية؟ أم سنواصل، بعد كل رحيل، محاكمة الجمال باسم يقين ضيق لا يحتمل الاختلاف؟
تعليقات الزوار