هبة زووم – الرباط
أعادت وفاة الفنانة المغربية صفية الزياني إلى الواجهة سؤالًا مؤلمًا ظل مؤجلًا في النقاش العمومي: كيف تتعامل الساحة الفنية والثقافية مع روادها بعد أن تُطفأ الأضواء؟ وكيف يتحول التاريخ الفني، في غياب الاعتراف المؤسساتي، إلى مجرد ذكرى عابرة لا تثير إلا تدوينات معزولة؟
في تدوينة لافتة ومتفاعلة، توقف الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي عند هذا الرحيل الصامت، مبرزًا المفارقة القاسية التي رافقت وفاة صفية الزياني، التي غادرت الحياة في اليوم نفسه الذي شيّع فيه الفنان عبد الهادي بلخياط.
رحيلان من جيل واحد، لكن صدى مختلف، حيث انشغل الجمع بمراسيم دفن الاسم الأكثر تداولًا، بينما انزوت فنانة من رواد المسرح والتمثيل المغربي في هامش الانتباه.
صفية الزياني لم تكن اسمًا عابرًا في تاريخ الفن المغربي، يقول اليحياوي، لقد اشتغلت في زمن التأسيس، في مرحلة لم تكن فيها البنيات ولا الإمكانيات، حين كان المسرح فعل مقاومة ثقافية، وكانت الكاميرا نادرة، والشهرة لا تُمنح بل تُنتزع بالكفاءة والصبر وطول النفس.
زمن الطيب الصديقي، والطيب لعلج، وعبد الله شقرون، زمن كان فيه الفن رسالة قبل أن يتحول، في كثير من تمظهراته اليوم، إلى “ريع” تحكمه العلاقات والخوارزميات بدل الموهبة، يضيف اليحياوي.
لكن المفارقة الأكثر إيلامًا، كما تشير تدوينة اليحياوي، أن هذه الرائدة عانت في سنواتها الأخيرة من التهميش، بل ومن تنكّر بعض رفاق المهنة، إلى أن تدهورت أوضاعها الاجتماعية والمادية.
لم ترحل من مصحة خاصة، ولا من مستشفى عسكري مخصص “لكبار القوم”، بل من مستشفى عمومي بحي العكاري بالرباط، إلى جانب فئات اجتماعية هشة، في مشهد يلخص اختلال ميزان الاعتراف في بلد يُكثر من الاحتفاء الرمزي، ويُقصّر في الحماية الفعلية.
ولم يكن مشهد الجنازة أقل دلالة، عدد محدود من الفنانين شيّعوا صفية الزياني، كما شيّعوا عبد الهادي بلخياط، في مؤشر صادم على قطيعة الأجيال، وعلى واقع فني بات كثير من ممارسيه يجهلون أسماء صنعت لهم الطريق، وربما لم يسمعوا بها أصلًا.
رحيل صفية الزياني ليس حدثًا معزولًا، بل هو عرض لمرض أعمق: غياب سياسة ثقافية تحمي الفنان في شيخوخته، وتضمن له كرامة العيش بعد أن ينتهي دوره على الخشبة وأمام الكاميرا. وهو أيضًا مرآة لمشهد فني يستهلك الأسماء بسرعة، ثم يتخلى عنها بالصمت.
إن استحضار هذا الرحيل يجب ألا يتوقف عند عبارات التعزية، بل ينبغي أن يكون لحظة مساءلة حقيقية حول موقع الفنان في السياسات العمومية، وحول معنى الاعتراف في بلد لا يزال يدفن بعض رموزه بعيدًا عن الأضواء وربما بعيدًا عن الذاكرة.
تعليقات الزوار