العرائش: فيضانات القصر الكبير تكشف أعطاب تدبير العامل بوعاصم العالمين للإقليم

هبة زووم – إلياس الراشدي
ما وقع بمدينة القصر الكبير لم يكن حادثًا معزولًا ولا مجرد طارئ مناخي عابر، بل لحظة كاشفة لسنوات من الاختيارات الإدارية والعمرانية التي راكمت الهشاشة، وجعلت المدينة تدفع ثمن تدبير يقوم، وفق متتبعين، على منطق الوزيعة أكثر من منطق الحكامة.
الفيضانات التي اجتاحت القصر الكبير لم تكتفِ بإغراق الأحياء وتخريب البنية التحتية، بل فجّرت أسئلة مؤجلة حول مسؤولية من يدبّر الشأن الترابي بإقليم العرائش منذ سنة 2019، حيث تلاقت السماء الغاضبة مع أرض أُسيء تدبيرها، في مشهد اختزل سنوات من الصمت والتغاضي.
لم يكن الماء وحده من اندفع بقوة، بل اندفعت معه ملفات قديمة، وتحالفات صامتة، وقرارات عمرانية مشكوك في جدواها. لم تسقط فقط الطرقات والمنازل، بل سقط معها منطق “كل شيء تحت السيطرة”. عائلات فقدت ممتلكاتها، أخرى انهارت اقتصاديًا في ساعات، ومدينة لم تكن يومًا ضعيفة وجدت نفسها عارية أمام قوة الطبيعة وأمام ضعف الاستعداد.
السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم ليس: لماذا نزل المطر؟ بل: لماذا لم يجد الماء مجراه الطبيعي؟ ومن سمح بتوسّع عمراني في مناطق هشة؟ ومن غضّ الطرف عن اختلالات معروفة في تهيئة المجال؟
في العرائش، يتحدث فاعلون محليون عن مرحلة أصبح فيها الإقليم رهينة اختيارات تفتقر إلى الرؤية الاستباقية، حيث لم تعد الكوارث الطبيعية تُواجَه بالوقاية، بل تُستقبل بردود فعل متأخرة، غالبًا ما تنتهي ببلاغات وتصريحات لا تُغيّر الواقع.
وفي موازاة ذلك، تعود إلى الواجهة أسئلة محرجة حول اختراق الجريمة المنظمة للنسيج السياسي، في ظل تداول معطيات خطيرة عن تورط منتخبين في قضايا مرتبطة بالاتجار في المخدرات، وهو ما حوّل النقاش من مسؤولية أفراد إلى أزمة ثقة في منظومة كاملة من المراقبة والانتقاء.
الصدمة الحقيقية ليست في انحراف بعض الشباب، بل في أن يصبح من يُفترض بهم سنّ القوانين وحماية الصالح العام موضوع شبهات ثقيلة، تُسيء إلى صورة المؤسسات وتنسف ما تبقى من الثقة في العمل السياسي، فحين يتحول البرلمان، في نظر الرأي العام، من فضاء للتشريع إلى مظلة للاشتباه، فذلك إعلان فشل جماعي لا يمكن التستر عليه.
لهذا، ترتفع اليوم مطالب صريحة بفتح تحقيقات مستقلة وشاملة، لا تكتفي بمعالجة آثار الفيضانات، بل تمتد إلى مساءلة نمط التدبير الترابي، والعلاقات المشبوهة، ومدى احترام القانون في منح الرخص، وضبط التوسع العمراني، وحماية الإقليم من تغوّل المال غير المشروع.
إن ما جرى بالقصر الكبير يجب ألا يُطوى كما طُويت ملفات سابقة، فالمحاسبة ليست انتقامًا، بل شرطًا أساسيًا لإعادة الثقة، وترسيخ دولة القانون، وإنقاذ العرائش من أن تتحول إلى نموذج لفشل التدبير بدل أن تكون رافعة للتنمية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد