تاونات: استدعاء مواطنين بعد توثيق نقل مريض بجرار يثير جدلًا واسعًا

هبة زووم – تاونات
مرة أخرى، يجد إقليم تاونات نفسه في قلب فضيحة إنسانية مدوية، عنوانها العزلة والتهميش، وتفاصيلها نقل مريض في وضع صحي حرج على متن جرار فلاحي، وسط ظروف صادمة هزّت الرأي العام بعد انتشار شريط فيديو يوثق الواقعة، غير أن الصدمة الأكبر لم تكن في المشهد ذاته، بل في طريقة تعاطي السلطات مع من كشفوا المستور.
فبدل أن يكون الشريط جرس إنذار يدق ناقوس الخطر حول هشاشة البنية التحتية، وانعدام شروط الولوج إلى العلاج في دواوير تابعة لجماعة الغوازي بإقليم تاونات، اختارت السلطات منطقًا مقلوبًا: استدعاء المواطنين الذين وثقوا المأساة، وكأن الجريمة ليست في غياب الطريق والإسعاف، بل في الهاتف الذي التقط الحقيقة.
المعنيون بالاستدعاء، وهم من سكان دواوير الكزارة ونعيرات وأولاد الجيلالي التابعة لقبيلة أولاد عيسى، لم يفعلوا أكثر من محاولة إنقاذ حياة إنسان بعد أن سُدّت في وجوههم كل أبواب الدولة.
لا طريق، لا سيارة إسعاف، لا مركز صحي قريب، فقط جرار فلاحي تحول، قسرًا، إلى وسيلة نقل طبي في مغرب يُفترض أنه يكرّس “الحق في الصحة” دستورياً.
والمنطق الذي حكم هذه الاستدعاءات يطرح سؤالًا خطيرًا: هل أصبح توثيق المعاناة جريمة؟ وهل المطلوب من سكان المناطق المنسية أن يصمتوا ويموتوا في صمت حتى لا “يحرجوا” المسؤولين؟
الأدهى، حسب ما تم تداوله، هو محاولة التشكيك في الواقعة ذاتها، والادعاء بعدم وجود مريض من الأساس، في سلوك لا يمكن وصفه إلا بمحاولة بائسة لقلب الحقائق، وتحويل الفضيحة إلى “خبر زائف”، والمواطن البسيط إلى متهم، وهو منطق يعكس، في نظر متابعين، عقلية العقاب بدل المعالجة، والتخويف بدل الإصلاح.
وفي هذا السياق، عبّر فرع فدرالية اليسار الديمقراطي بقرية با محمد عن قلقه الشديد مما اعتبره سلوكًا خطيرًا، لا يستهدف فقط أشخاصًا بعينهم، بل يبعث برسالة واضحة لكل من يفكر في فضح الاختلالات: “التزم الصمت وإلا ستُساءل”.
وأكدت الفدرالية، استنادًا إلى عائلة المعني بالأمر، أن المريض يتلقى العلاج حاليًا بمدينة فاس في وضع صحي حرج، ما يدحض كل محاولات التشكيك، ويحوّلها إلى اتهام مجاني يمس بكرامة مواطنين وجدوا أنفسهم مجبرين على تعويض غياب الدولة.
القضية، في جوهرها، لا تتعلق بفيديو ولا باستدعاءات، بل بسؤال أكبر وأخطر: من يحاسب على غياب الطرق؟ من يحاسب على انعدام سيارات الإسعاف؟ ومن يحاسب على تحويل العالم القروي إلى مناطق خارج حسابات التنمية؟
إن ما وقع بتاونات ليس حادثًا معزولًا، بل صورة مكثفة لسياسات تفضّل دفن الرأس في الرمال، ومعاقبة من يكشف الخلل، بدل الاعتراف بالفشل وتحمل المسؤولية.
ففي مغرب اليوم، لا ينبغي أن يُستدعى من حمل مريضًا لينقذ حياته، بل من تركه بلا طريق، بلا إسعاف، وبلا أدنى شروط الكرامة الإنسانية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد