مراكش: المنصوري وتقنية “الاستغفال” أو عندما يتحول العبث إلى سياسة والارتجال إلى منهج تدبير
هبة زووم – مراكش
أصبح المشهد السياسي، ومعه الإعلامي، ملتبساً إلى حد ما بمدينة سبع رجال، خصوصاً بعد تحالف الكذب واللامعقول مع الصحافة، لحجب الحقائق وقلبها، لبلوغ مآرب شخصية وتحقيق مصالح فئوية، واعتماد تقنية الاستغفال وتخطي مدارات المراقبة والمحاسبة.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إذا كانت الصحافة تُستخدم كستار للتضليل، فكيف ننتظر من المواطن أن يميز بين الحقيقة والافتراء؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل الإعلام من مراقب للسلطة إلى شريك في التعتيم تحت غطاء حرية التعبير؟
فبينما يُفترض أن يكون النقاش العام فضاءً لكشف الاختلالات ومحاسبة المسؤولين، يجد المواطن نفسه أمام عالم افتراضي تنتشر فيه كائنات رقمية توزع صكوك السب والإهانة دون رادع.
سؤال يُعيد طرح إشكالية وجودية: إذا كانت الشبكات الاجتماعية تُدار بهذه الفوضى، فمن يملك أدوات التفنيد؟ وأي مسؤولية إعلامية هذه التي تسمح بتضليل الرأي العام تحت غطاء الرأي الحر؟
جرت العادة في ثقافتنا الشعبية ووعينا الجماعي، أن ننعت الناس بما يمارسونه من حرف أو مهن، ففي مجال الخضر والفواكه مثلا، نقول “مول الخضرة” و”مول الحوت” و”مول الدجاج” و”مول لحم الراس”…، وفي عالم المأكولات نقول “مول الشوا” و “مول بوبوش” و”مول التقلية” و”مول الصوصيص” و”مول الحريرة”، وفي عالم الانتخابات نقول “مول الشكارة” ومول “الحبة”.
توصيفات وألقاب امتدت إلى مهن ووظائف بعينها، من قبيل “مول الضو” و”مول الضريبة”، مرورا بـ”مول الدار” و”مول الكراء”، وانتهاء بـ”مول الزريعة” و”مول النعناع” و”مول الشفنج” و”مول المسمن” و”مول الزرع”، وغير ذلك من التوصيفات، التي تتعدد بتعدد الحرف والمهن والأنشطة، والتي امتد صداها حتى حقل التعليم، فنقول مثلا “مول العربية” و”مول الاجتماعيات” و”مول الماط” و”مول الفرنسية”…
هذه التوصيفات والألقاب، وجدت مسالك معبدة نحو العالم الافتراضي، عاكسة كالمرآة كائنات رقمية أو افتراضية، انتشرت كالفطريات، مستغلة ما يعتري هذا العالم الأزرق من مشاهد الفوضى الناعمة والعبث والتهور.
كائنات افتراضية تبدو كشيوخ الزوايا الذين يمتلكون وحدهم – دون غيرهم – الحكمة والحقيقة والوعي والإدراك، وبعضهم لا يجد حرجا في توزيع صكوك السب والإهانة والتحقير والإساءة للأشخاص والمؤسسات، عبر إنتاج ونشر فيديوهات غير بريئة، في ظل غياب آليات رقابة فعالة تحمي الأشخاص والمؤسسات من التشهير الرقمي.
صحيح أن حزب الأصالة والمعاصرة حقق مكاسب عدة على المستوى السياسي بجهة مراكش، بحصوله على رئاسة الجماعة والمجلس الجهوي ومقاعد بمجلس النواب وغيرها خلال استحقاقات شتنبر، إلا أن الحصيلة التدبيرية كانت كارثية بكل المقاييس، خصوصا بالمؤسسات التي يدبرها الحزب.
ويُعتبر نموذج جماعة مراكش الأبرز في هذا السياق، حيث لازالت تتخبط في العبث والارتجال جراء القرارات الفردية والعشوائية الصادرة عن عمدتها، في وقت تُطالب فيه الساكنة بحكامة رشيدة وتدبير استباقي يُضع المصلحة العامة في صلب الأولويات.
فاعتماد “تقنية الاستغفال” وتخطي مدارات المراقبة والمحاسبة، لم يعد مجرد ممارسة فردية، بل تحول إلى سمة مميزة للمشهد السياسي والإعلامي بمراكش، حيث تُستخدم “الفوضى الناعمة” كستار لإخفاء الاختلالات البنيوية في التدبير، وضرب مصداقية المؤسسات في الصميم.
هذا الواقع يطرح تساؤلات محرجة حول مستقبل التدبير الترابي بالمدينة، ومدى قدرة المسؤولين على تجاوز عقلية الارتجال لخدمة المصلحة العامة، خاصة في ظل تصاعد مطالب الساكنة بشفافية أكبر ومحاسبة فعلية لكل من يثبت تقصيره.
ويمثل الوضع الحالي بمراكش اختباراً حقيقياً لمصداقية الحكامة المحلية وقدرة الفاعلين السياسيين والإعلاميين على تجاوز “عقلية الاستغفال” لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحول وعود الشفافية من كلمات في خطاب إلى ممارسات ملموسة على الأرض، مع إرادة سياسية حقيقية ومحاسبة فعلية، وإما أن تستمر ثقافة التضليل التي تحول المسؤولية من تكليف لخدمة الساكنة إلى مغنم للتعتيم وتُهدر ثقة المغاربة في قدرة مؤسساتهم على ضمان تدبير نزيه.
وفي الأخير، يبقى الرهان الآن على قدرة جميع الفاعلين المحليين على استعادة مصداقية التدبير والإعلام، وضمان أن تكون مراكش نموذجاً للمدينة التي تحترم حقيقة مواطنيها وتكرس مبادئ الشفافية والمحاسبة، خدمةً لتنمية الإقليم ورفاهية سكانه.