من إنذار الملاح إلى مأساة الجمعة.. خريطة الإهمال التي حولت بنايات آيلة للسقوط بتطوان إلى مقابر للأطفال

هبة زووم – حسن لعشير
لم تكن فاجعة حي الملاح سوى إنذار أول، لكن سرعان ما تحوّل الإنذار إلى مأساة دامية جديدة داخل المدينة العتيقة لـ تطوان، بعدما لقي طفلان مصرعهما تحت أنقاض منزل متهالك انهار في ساعة متأخرة من مساء الجمعة 17 أبريل 2026، في مشهد صادم يعري واقعاً عمرانيًا هشًّا وتدبيرًا محليًا يثير الكثير من علامات الاستفهام.
الضحيتان، طفلة لا يتجاوز عمرها 8 سنوات وشقيقها البالغ 10 سنوات، لم يكونا سوى وجهين بريئين لنتيجة مؤلمة عنوانها الإهمال والتماطل.
فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن البناية المنهارة، المكونة من ثلاثة طوابق، كانت تعاني من تصدعات واضحة، وأن قاطنيها سبق أن طالبوا بالحصول على رخصة إصلاح من الجماعة الحضرية، غير أن هذه الطلبات ظلت، حسب مصادر محلية، عالقة بين رفوف الإدارة، دون رد صريح أو قرار واضح.
هنا، لا يمكن الحديث عن “حادث عرضي”، بل عن فشل في التدبير الاستباقي لملف البنايات الآيلة للسقوط. فحين تكون الشقوق ظاهرة للعيان، ومؤشرات الخطر قائمة، ثم يُقابل ذلك بالصمت أو التماطل، فإن الكارثة تصبح مسألة وقت لا أكثر.
وفور وقوع الحادث، حلت السلطات المحلية وعناصر الوقاية المدنية بعين المكان، حيث تم تطويق محيط الانهيار وفتح مسالك التدخل، قبل الشروع في عمليات البحث تحت الأنقاض، كما انتقل عامل الإقليم عبد الرزاق المنصوري مرفوقاً بمسؤولي السلطة المحلية لمتابعة عمليات الإنقاذ عن كثب.
غير أن هذا الحضور الرسمي، رغم أهميته، يقابله غياب لافت لمجلس الجماعة، الذي لم يسجل أي حضور في موقع الفاجعة، وفق المعطيات المتداولة، وهو ما زاد من حدة الغضب في صفوف الساكنة، التي ترى أن الجهة التي امتنعت عن الترخيص بالإصلاح، غابت أيضاً لحظة وقوع الكارثة.
وتفيد المصادر الرسمية أن البناية كانت تأوي خمس أسر تضم 11 شخصاً، ما يعكس حجم الخطر الذي كان قائماً قبل الانهيار. ومع ذلك، لم تُتخذ الإجراءات الوقائية اللازمة، سواء عبر الترخيص بالإصلاح أو عبر إعادة إيواء الأسر، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول نجاعة السياسات المعتمدة في معالجة هذا النوع من الملفات.
الأكثر إثارة للجدل، أن هذه الفاجعة تأتي في سياق الحديث عن مشاريع كبرى وبرامج ترميم كلفت الملايير لإعادة تأهيل المدينة العتيقة. لكن الواقع، كما تعكسه هذه الحوادث المتكررة، يكشف عن فجوة عميقة بين الاعتمادات المرصودة والنتائج المحققة على الأرض.
ما وقع في حي الملاح ليس مجرد حادث معزول، بل هو جرس إنذار جديد يؤكد أن ملف البنايات الآيلة للسقوط بتطوان ما يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات، وأن الأرواح تظل رهينة قرارات إدارية قد تتأخر… أو لا تأتي أبداً.
اليوم، لم يعد مقبولاً الاكتفاء ببيانات التعزية أو فتح تحقيقات بعد كل فاجعة، بل أصبح لزاماً تحديد المسؤوليات بدقة، ومحاسبة كل من ثبت تقصيره، لأن الأمر لم يعد يتعلق بجدران تتهاوى، بل بأرواح تُفقد كان بالإمكان إنقاذها.
ففي تطوان، كما في غيرها، الكارثة الحقيقية ليست في سقوط المنازل، بل في استمرار الأسباب التي تجعل سقوطها قدراً متكرراً.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد