الجديدة: حين تفسد “لغة المال” السياسة وتهدد أزمة الثقة شرعية المؤسسات

هبة زووم – أحمد الفيلالي
تعيش مدينة الجديدة على وقع مفارقة سياسية مقلقة، حيث يتزامن اقتراب المصادقة على برنامج عمل الجماعة مع تصاعد مؤشرات فقدان الثقة في الفعل السياسي، في ظل حديث متزايد عن تغوّل “المال الانتخابي” وتأثيره على مسار الاختيارات الديمقراطية.
في هذا السياق، لم يعد النقاش محصورًا في مضامين البرامج أو جودة المشاريع، بقدر ما أصبح مرتبطًا بسؤال أخلاقي عميق: هل ما تزال السياسة فضاءً لخدمة الصالح العام، أم تحولت إلى مجال لتصريف المصالح الخاصة وتراكم الامتيازات؟
برنامج عمل الجماعة، الذي يُفترض أن يشكل خارطة طريق تنموية، يجد نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس فقط من حيث محتواه، بل من حيث السياق الذي يُناقش فيه.
فالمصادقة عليه داخل مجلس يعاني من أزمة ثقة، تُفرغ الوثيقة من بعدها التعاقدي مع المواطنين، وتحولها إلى مجرد إجراء شكلي.
الواقع السياسي بعاصمة دكالة يكشف عن أزمة أعمق، تتجلى في عزوف انتخابي متنامٍ، تغذّيه قناعة راسخة لدى شريحة واسعة من المواطنين بأن نتائج الانتخابات لا تعكس دائمًا الإرادة الحقيقية للناخبين، بل تتأثر بعوامل المال والنفوذ.
وفي مثل هذا السياق، يتحول التصويت من تعبير حر عن الاختيار إلى سلوك مُوجَّه، تتحكم فيه الإغراءات المادية والضغوط الاجتماعية، خاصة في بيئات تعاني هشاشة اقتصادية.
وهنا، لا يعود المرشح مجرد حامل مشروع، بل فاعلًا في “سوق انتخابي” تتداخل فيه المصالح مع الولاءات، وتُختزل فيه الديمقراطية في أرقام صناديق فقدت الكثير من رمزيتها.
الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع يفتح المجال أمام صعود نخب تفتقر أحيانًا إلى الكفاءة والرؤية، لكنها تمتلك أدوات التأثير، ما يؤدي إلى إضعاف جودة التمثيلية، وتعميق الفجوة بين المواطن والمؤسسة.
ومع تكرار هذا النمط، تتآكل شرعية المؤسسات المنتخبة تدريجيًا، ليس من الناحية القانونية، بل من حيث القبول المجتمعي، فالمؤسسة التي لا تنبثق من ثقة حقيقية، تجد صعوبة في فرض قراراتها أو إقناع المواطنين بجدوى سياساتها.
إن ما تحتاجه الجديدة اليوم، ليس فقط برامج تنموية، بل إعادة بناء الثقة في العملية السياسية برمتها، عبر محاربة كل أشكال الفساد الانتخابي، وتعزيز الشفافية، وفتح المجال أمام كفاءات قادرة على إعادة الاعتبار للفعل السياسي.
فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الأصوات فقط، بل بجودة الاختيار وصدق التمثيل. وبين هذا وذاك، تظل الجديدة أمام مفترق طرق: إما تصحيح المسار، أو الاستمرار في دوامة تفقد فيها السياسة معناها، والمؤسسات مشروعيتها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد