الناظور: هكذا تحولت سلطة العامل الشعراني من رقابة قانونية إلى عامل تعطيل
هبة زووم – محمد أمين
لا يزال مفهوم “رخصة الاستثناء” يثير الكثير من الالتباس في الوعي العام، حيث يُتعامل معها في الغالب كامتياز دائم أو منفذ خلفي للالتفاف على القانون، بدل فهمها في إطارها الصحيح كآلية قانونية ضيقة، مشروطة، ومحدودة، أُحدثت لمعالجة أوضاع استثنائية لا يمكن إخضاعها لمنطق القاعدة العامة.
غير أن هذا الخلط لا يرتبط فقط بضعف الثقافة القانونية لدى المواطنين، بل يتغذّى أيضًا من ممارسات إدارية مترددة أو غير واضحة ساهمت، عن قصد أو بدونه، في تعويم مفهوم الاستثناء وإفراغه من فلسفته الأصلية.
في الناظور، يطفو هذا الإشكال بقوة، خصوصًا حين تتحول سلطة التأشير الإداري من أداة ضبط قانوني إلى عامل تعطيل فعلي لمسار التنمية المحلية. وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: كيف يمكن محاسبة رئيس جماعة ومكتبه المسير على عدم تنفيذ مشاريع مدرجة ضمن برنامج عمل الجماعة، في الوقت الذي يمتنع فيه عامل الإقليم عن التأشير على المقررات المرتبطة بها؟
فمن حيث المبدأ، لا خلاف حول كون سلطة العامل في التأشير تهدف إلى مراقبة المشروعية وضمان احترام القانون، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الامتناع عن التأشير إلى قرار غير معلل سياسيًا وتنمويًا، يُجمّد مشاريع، ويُفرغ برامج عمل الجماعات من محتواها، ويُبقي المدينة رهينة الانتظار.
وفي هذه الحالة، لا يصبح السؤال موجّهًا فقط إلى المنتخبين، بل إلى الإدارة الترابية نفسها: ألا يُعدّ الامتناع غير المبرر عن التأشير تعطيلًا لمسار تنموي هو أصلاً معطّل؟ وألا يتحول العامل، هنا، من ضامن للتوازن المؤسساتي إلى طرف في الأزمة؟
وكان يُفترض في الإدارة الترابية أن تكون جهازًا للحل، ووسيطًا لتجاوز الأعطاب، وصمام أمان بين الدولة والمجالس المنتخبة، غير أن ما يلاحظه متابعون للشأن المحلي بالناظور هو أن هذا الدور بدأ يتآكل، حين غابت الجرأة في اتخاذ قرارات حاسمة، وحضرت المقاربة المحافظة التي تفضّل “تدبير الجمود” بدل كسره.
ويستحضر فاعلون محليون، في هذا السياق، ما يعتبرونه فرصة ضائعة في وقت سابق، حين لم يتم تفعيل مسطرة عزل رئيس الجماعة، رغم اكتمال الشروط المسطرية المنصوص عليها في القانون التنظيمي للجماعات، قرار لم يكن فقط قانونيًا، بل كان يمكن أن يشكّل مخرجًا مؤسساتيًا حقيقيًا من حالة “البلوكاج” التي عاشتها المدينة.
إن النقد الموجّه اليوم إلى عامل الإقليم العامل الشعراني لا ينطلق من منطق الخصومة، بل من منطق المسؤولية. فالناظور لا تحتاج إلى إدارة حذرة أكثر من اللازم، بل إلى إدارة جريئة، واضحة، وتتحمل كلفة القرار.
الجدية المطلوبة اليوم لا تعني التساهل مع الخروقات، ولا فتح الباب أمام العبث بالقانون، لكنها تعني: وضوحًا في المواقف، تعليلًا للقرارات، تمييزًا بين الرقابة القانونية والتعطيل السياسي وانحيازًا صريحًا لمصلحة المدينة وساكنتها، لأن أخطر ما يمكن أن تعيشه مدينة، ليس سوء التسيير وحده، بل التقاء ضعف القرار السياسي مع تردد القرار الإداري.