هبة زووم – علال الصحراوي
لا تحتاج الصور التي تتداولها وسائل التواصل الاجتماعي وتوثق واقع الرصيف بوسط مدينة أكادير إلى شرح مطول، فهي بحد ذاتها تكشف “شيفرة” ما يحدث في المدينة التي يُروّج لها على أنها “المدينة الهادئة”، بينما هي في الواقع تعيش على إيقاع خروقات صارخة لا يخفى أمرها إلا على من يختار ألا يرى.
فما نراه اليوم ليس مجرد “استغلال عابر للرصيف”، بل هو نموذج صارخ لـ”استباحة الملك العمومي” في قلب المدينة، حيث التاريخ والحياة اليومية، وحيث يفترض أن يكون الفضاء العام مصوناً باعتباره جزءاً من كرامة الجماعة وسكانها.
في أحد أرقى أحياء أكادير، تحول رصيف بكامله إلى امتداد لمطعم خاص، يضع كراسيه وطاولاته دون حسيب ولا رقيب، ويُجبر المارة على النزول إلى الطريق وسط السيارات، مُعرّضاً حياتهم للخطر. والمفارقة الصادمة أن هذا الاستيلاء يتم “بلا استحياء”، وكأن أصحاب المطعم أدركوا جيداً أن القانون في هذا الفضاء لم يعد يُطبق إلا على “الضعفاء”، بينما يُترك “أقوياء المال والنفوذ” يحتلون الملك العمومي جهاراً نهاراً دون حتى مجرد تنبيه.
هذا المشهد لا يعكس فقط “فشل الرقابة”، بل يكشف عن ازدواجية خطيرة في تطبيق القانون: فمن جهة، تُطبق “الحكرة” بأقسى صورها على المواطن البسيط الذي يحاول كسب قوت يومه عبر كشك صغير لبيع الخبز، بحجة “عدم الترخيص” أو “تشويه المنظر الحضري”.
ومن جهة أخرى، تُترك مساحات ضخمة من الرصيف والطريق تُحتل من طرف مطاعم ومقاهٍ “مرخصة” أو غير مرخصة، دون أي تدخل لوقف هذا التغول.
الخطر الحقيقي في هذا الواقع لا يكمن فقط في “تشويه المنظر الحضري”، بل في الرسالة التي تُرسل للمواطن: أن القانون ليس مرجعية واحدة للجميع، بل هو “أداة مرنة” تُستخدم لقمع الضعيف وحماية القوي.
فحين تُهدم أكشاك الباعة المتجولين بحجة “استعادة هيبة الدولة”، بينما تُترك مطاعم الرصيف تتمدد دون رادع، فإن “الهيبة” تتحول في نظر المواطن إلى “غطاء للتمييز” وليس “ضماناً للعدالة”.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين هي مصالح المراقبة التابعة لجماعة أكادير؟ وأين هي السلطات المحلية المكلفة بحماية الملك العمومي؟ ولماذا يتحول تطبيق القانون إلى “انتقائي” يعتمد على “من يملك” و”من لا يملك”؟
اليوم، تضع هذه الخروقات الوالي محمد أمزازي، ممثل السلطة المحلية بأكادير، أمام اختبار حاسم لمصداقية “خطاب الهيبة” الذي يرفعه، فمن غير المقبول أن تُرفع شعارات “استعادة الملك العمومي” و”محاربة الفوضى”، بينما تستمر مشاهد الاحتلال جهاراً في وسط المدينة، في ظل ولاية يُفترض أنها “نموذج للتدبير الحازم”.
واستمرار هذا الوضع دون تدخل حازم يُفهم كتواطؤ ضمني مع من يحتلون الملك العمومي، ويُضعف ثقة المواطن في قدرة الدولة على فرض القانون على الجميع بالتساوي، فالهيبة لا تُبنى بالعبارات الرنانة، بل تُكتسب بالأفعال الموحدة التي لا تميز بين “قوي” و”ضعيف”.
ولم يعد مقبولاً أن تُعالج ظاهرة بهذا الخطورة بـ”وعود مستقبلية” أو “حملات موسمية”. ما تحتاجه أكادير اليوم هو: جرد فوري وشامل لكل حالات احتلال الملك العمومي في المدينة، مع نشر النتائج للعموم لضمان الشفافية، حملة ميدانية موحدة المعايير لإزالة كل العوائق من الأرصفة، دون تمييز بين “مطعم فاخر” و”كشك بسيط”، فالقانون واحد للجميع، تفعيل الغرامات الزجرية بشكل صارم وعادل في حق كل المخالفين، بغض النظر عن نفوذهم أو مكانتهم، مراجعة منظومة الرخص الممنوحة للمقاهي والمطاعم، وضمان ألا تتحول إلى “غطاء قانوني” لاحتلال الرصيف، مع ضرورة إشراك المجتمع المدني في مراقبة الفضاء العام، عبر خطوط تبليغ مباشرة وآليات متابعة شفافة.
ما تعيشه أكادير ليس “خللاً ظرفياً”، بل هو اختبار لمصداقية دولة القانون، فإما أن تتحرك السلطات المحلية بجراعة لاستعادة الرصيف، وضمان تطبيق القانون على الجميع بالتساوي، وإما أن تستمر “ثقافة الإفلات” التي تُحوّل الملك العمومي إلى “غنيمة” يُتاجر فيها.
تعليقات الزوار