هبة زووم – سطات
رغم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، ما تزال بعض المناطق عالقة في ممارسات سياسية بائدة، تنتمي إلى زمن لم يعد له مكان في مغرب اليوم.
وتُعدّ سطات مثالًا صارخًا على هذا التناقض، حيث يستمر توظيف أساليب انتخابية بدائية لا تقوم على البرامج أو الرؤى التنموية، بل على منطق “الكاميلة” و“اللحمة قد الصباط”.
إقليم يضم أزيد من ألف دوار، ويعاني هشاشة اجتماعية واضحة، من بطالة وفقر وضعف في الولوج إلى الخدمات، تحوّل في بعض محطاته الانتخابية إلى فضاء مفتوح لشراء الذمم بأبخس الأثمان.
فحين تغيب الدولة التنموية، يحضر “شيخ الانتخابات”، مستغلًا الأمية السياسية، بل والثقافية أحيانًا، ليحوّل الحاجة إلى أداة ابتزاز انتخابي.
سياسة “الكاميلة” ليست مجرد تعبير ساخر، بل ممارسة قائمة بذاتها في عدد من الجماعات القروية بسطات، حيث يُختزل الفعل السياسي في موائد عابرة، وتُختصر التنمية في قطعة لحم، ويُقدَّم الأكل بديلاً عن النقاش والالتزام والمحاسبة، مرشح يفوز لأنه أطعم، لا لأنه أقنع، ثم يختفي بعد إعلان النتائج، تاركًا الساكنة في مواجهة واقعها المرير.
هذا النموذج من الممارسة لم يعد فقط مهينًا للسياسة، بل خطرًا على ما تبقى من الثقة في المؤسسات المنتخبة، لأنه يفرغ العملية الانتخابية من معناها، ويحوّلها إلى سوق موسمية تُدار بمنطق الغنيمة لا المصلحة العامة.
في هذا السياق، يبرز تحرك عامل الإقليم حبوها كمؤشر على محاولة جادة لكسر هذه القاعدة غير السليمة، ووضع حد لسطوة لوبيات اعتادت التحكم في نتائج الانتخابات عبر المال والولائم والعلاقات الزبونية.
غير أن هذا التوجه يصطدم، بحسب متابعين، بجيوب مقاومة داخل الإدارة الترابية نفسها، حيث ما تزال بعض العقليات تشتغل بالمنطق القديم، وتغض الطرف عن ممارسات يُفترض أنها أصبحت من الماضي.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط ضد مرشحين فاسدين، بل ضد ثقافة سياسية ترسخت لسنوات، وجعلت من “الكاميلة” وسيلة للوصول إلى القرار، بدل الكفاءة والنزاهة والبرنامج.
ساكنة إقليم سطات، رغم بساطتها، لم تعد قابلة باستمرار هذا العبث. فوسائل الإعلام، وشبكات التواصل، وتجارب الحياة، رفعت من منسوب الوعي، ولم يعد الجهل ذريعة لتبرير إعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الأساليب.
ما تحتاجه سطات اليوم هو نخب سياسية تؤمن بأن السياسة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وسيلة للنفوذ، وأن التمثيل الانتخابي التزام يومي لا وليمة عابرة.
لقد آن الأوان لطي صفحة “الكاميلة” و“اللحمة قد الصباط”، وفتح صفحة جديدة عنوانها الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعلاء قيمة البرنامج والكفاءة. فالتنمية لا تُطبخ في القدور، بل تُبنى في الميدان، بسياسات واضحة وإرادة حقيقية.
تعليقات الزوار