حدو سيالي – الحسيمة
لم يعد نزيف الثروة السمكية بسواحل الحسيمة مجرد أرقام مقلقة في تقارير إدارية أو دراسات علمية، بل بات واقعًا يوميًا يهدد التوازن البيئي ومستقبل آلاف الأسر المرتبطة بقطاع الصيد البحري.
في هذا السياق، وجهت مندوبية الصيد البحري بالحسيمة مراسلة استعجالية إلى عامل إقليم الحسيمة، تطالب فيها بتدخل عاجل وحازم لوضع حد لظاهرة الصيد غير القانوني لصغار الأسماك، المعروفة محليًا بـ”الشنكيطي”.
المراسلة، المؤرخة في 27 فبراير 2026، لم تكن إجراءً إداريًا روتينيًا، بل صيحة إنذار واضحة، تؤكد أن ما يجري اليوم على الشريط الساحلي للإقليم تجاوز حدود المخالفة الفردية، ليصبح ممارسة مقلقة تهدد استدامة الموارد البحرية، وتضرب في العمق مجهودات الدولة في تدبير عقلاني للثروة السمكية.
هذا، وتحذر المندوبية من أن استهداف الأسماك في طور النمو لا يُلحق الضرر بالبيئة البحرية فحسب، بل ينعكس اقتصاديًا واجتماعيًا على المهنيين الملتزمين بالقانون، الذين يجدون أنفسهم في منافسة غير عادلة مع ممارسات خارجة عن كل الضوابط، فالصيد الجائر لا يسرق فقط من البحر، بل يسرق من المستقبل، ويقوض أسس الأمن الغذائي بالواجهة المتوسطية.
الأرقام الرسمية الصادرة عن ميناء الحسيمة تعزز هذا القلق؛ إذ سجلت مفرغات الصيد الساحلي والتقليدي خلال يناير الماضي انخفاضًا حادًا بنسبة 54%، حيث لم تتجاوز 268 طنًا بقيمة 15.3 مليون درهم، مقابل 585 طنًا بقيمة 36.2 مليون درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، أرقام تعكس بوضوح حجم الاستنزاف الذي يطال المخزون السمكي بالإقليم.
التحذيرات لم تأتِ من الإدارة وحدها. فقد كشفت دراسة علمية أُنجزت بالحسيمة عن تدهور مقلق في المخزونات السمكية بالواجهة المتوسطية، حيث سجل إنتاج الصيد الساحلي والتقليدي انخفاضًا يفوق 30% مقارنة بسنة 2017، فالدراسة أرجعت هذا التراجع إلى الاستغلال المفرط لبعض الأنواع السمكية، إضافة إلى التأثيرات المتزايدة للتغيرات المناخية.
كما دعت جمعية بيئية محلية، أنجزت جزءًا من هذه الأبحاث، إلى تعزيز المراقبة البحرية، وتطبيق صارم للقوانين، واعتماد سياسات تدبير تشاركية توازن بين حماية البيئة وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي للصيادين، مع تشجيع أساليب الصيد المستدامة ومحاصرة الصيد غير القانوني.
ورغم وضوح القوانين وتعدد المتدخلين، يظل السؤال الجوهري مطروحًا: لماذا تستمر هذه الظاهرة؟ هل الخلل في ضعف المراقبة؟ أم في غياب التنسيق؟ أم في التساهل مع المخالفين؟ فالمندوبية طالبت بشكل صريح بتكثيف التتبع البحري والبري، وتشديد الرقابة على وسائل الصيد والأسواق المحلية، ومحاربة المعدات غير القانونية، وهو ما يوحي بأن الإشكال لا يكمن في النصوص، بل في إنفاذها.
إن حماية الثروة البحرية بالحسيمة لم تعد خيارًا، بل ضرورة بيئية واقتصادية واجتماعية، فاستمرار الصمت أو التردد في مواجهة الصيد الجائر يعني القبول باستنزاف مورد استراتيجي، ودفع المنطقة نحو أزمة مركبة، يدفع ثمنها البحر أولًا، ثم الصياد، وأخيرًا المستهلك.
تعليقات الزوار