الجامعات المغربية في شلل تام: إضراب الأساتذة الباحثين يُعيد أزمة الحوار إلى مربع الصفر
هبة زووم – الرباط
تعيش الجامعات المغربية، منذ صباح اليوم الثلاثاء 3 مارس 2026، حالة شلل شبه كامل بسبب خوض النقابة الوطنية للتعليم العالي إضراباً وطنياً شاملاً، يشمل جميع مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، التابعة وغير التابعة للجامعة، في خطوة تصعيدية تُعيد فتح ملف الأزمة المستمرة بين النقابة والجهات الحكومية حول ملفات حساسة تتعلق بالنظام الأساسي، والوضعية الاعتبارية والمادية للأساتذة الباحثين، وإصلاح منظومة التعليم العالي برمتها.
وجاء في بيان المكتب الوطني للنقابة أن القرار يأتي “تنفيذاً لمخرجات اجتماع اللجنة الإدارية، ودعوةً إلى تعبئة واسعة دفاعاً عن المطالب المشروعة لهيئة الأساتذة الباحثين”، في وقت تُعلق فيه الحكومة آمالها على “مواصلة الحوار” لتفادي تعطيل الموسم الدراسي.
ولا يقتصر الإضراب على “توقف الدروس” فحسب، بل يمتد ليشمل كافة مظاهر الحياة الأكاديمية، فقد قررت النقابة مقاطعة كل الأنشطة البيداغوجية من محاضرات وأعمال موجهة وتطبيقات عملية، والامتناع عن إجراء الامتحانات والمداولات مما يُهدد المسار الدراسي لآلاف الطلاب، خاصة في فترات الحسم والتقويم.
كما يشمل الإضراب تجميد الندوات واللقاءات العلمية مما يُؤثر على البحث العلمي والتعاون الأكاديمي الوطني والدولي، بالإضافة إلى مقاطعة الاجتماعات داخل هياكل المؤسسات مما يُشلّ التدبير الإداري والبيداغوجي للجامعات.
وفي هذا الإطار، دعت النقابة إلى عقد جموع عامة محلية وجهوية خلال يومي الإضراب لتعبئة الأساتذة وتوحيد المواقف.
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: كيف يمكن الدفاع عن “المطالب المشروعة” عبر “تعطيل حق الطلاب في التعليم”؟ وأي “موازنة” هذه بين حق الأساتذة في الاحتجاج وحق الطلاب في متابعة دراستهم؟
ولا يُنكر أحد أن للأساتذة الباحثين مطالب مشروعة تتعلق بتحسين الوضعية الاعتبارية والمادية، من رواتب ومنح وتعويضات وتقاعد، بالإضافة إلى مراجعة النظام الأساسي لضمان استقلالية البحث العلمي، وحماية الحرية الأكاديمية، وتحسين ظروف العمل، ناهيك عن إصلاح منظومة التعليم العالي لتواكب التحديات العالمية وتُنتج كفاءات تُساهم في التنمية الوطنية.
لكن الإشكال لا يكمن في “شرعية المطالب”، بل في اختيار التوقيت والأداة، فإضراب يشمل “كل الأنشطة” في فترة حرجة من الموسم الدراسي يُحوّل الطلاب إلى “رهائن” في صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
والسؤال المحرج: لماذا لا تُختار أشكال احتجاجية لا تُعطل الحق في التعليم؟ وأي “تفاوض” هذا الذي يبدأ بـ”الشلل الكامل” بدلاً من “الضغط المرحلي”؟
ويأتي هذا التصعيد في سياق توتر متواصل بين النقابة والجهات الحكومية، حيث تتبادل الأطراف الاتهامات بـ”عدم الجدية” في الحوار، فالنقابة تتهم الحكومة بـ”المماطلة” و”عدم الوفاء بالتعهدات”، و”تجاهل مطالب فئة حيوية” تُنتج المعرفة وتُكوّن الأجيال، بينما ترد الحكومة بـ”انفتاحها على الحوار”، و”استعدادها للاستماع”، لكن بشروط “الاستمرارية البيداغوجية” و”احترام الحق في التعليم”.
هذا التجاذب يطرح إشكالية أعمق: لماذا يفشل الحوار في الوصول إلى حلول؟ هل هو “اختلاف في الأولويات”، أم “نقص في الإرادة السياسية”، أم “تعقيد الملفات” التي تتطلب وقتاً أطول؟
وفي خضم هذا الصراع، يبقى الطالب المغربي هو الخاسر الأكبر، فتعطيل دروسه في فترة حرجة من الموسم الدراسي، وتأجيل امتحاناته مما يُربك استعداده ويؤثر على نتائجه، وتجميد مشاريع تخرجه وأبحاثه العلمية، وضياع وقت ثمين في انتظار “فرج” قد يتأخر، كلها عوامل تُشكل عبئاً نفسياً وأكاديمياً ثقيلاً على كاهل الطلاب.
والسؤال الأكثر إيلاماً: كيف يمكن لطالب أن يثق في مؤسسة تعليمية تُشلّ بسبب صراع داخلي؟ وأي “مستقبل” هذا الذي يُبنى على “مواسم دراسية مقطعة الأوصال”؟
اليوم لم يعد مقبولاً أن تُترك أزمة التعليم العالي تتفاقم بين “إضراب” و”وعود”، وما يحتاجه الطلاب والأساتذة والمغرب اليوم هو استئناف حوار جاد ومسؤول بين النقابة والحكومة، بجدول زمني واضح ونتائج ملموسة، واعتماد حلول مرحلية تُلبّي جزءاً من المطالب العاجلة، مع استمرار الحوار حول الملفات الهيكلية.
كما يتطلب الأمر حماية الموسم الدراسي عبر اتفاقات تضمن استمرارية الأنشطة البيداغوجية حتى في ظل أشكال الاحتجاج، وإشراك ممثلين عن الطلاب في مسار الحوار، لضمان أن لا تكون مصالحهم “ضحية جانبية” للصراع، بالإضافة إلى شفافية في التواصل مع الرأي العام حول تقدم المفاوضات، لتفادي الشائعات والذعر.
ما تعيشه الجامعات المغربية مع إضراب 3 و4 مارس ليس “حدثاً عابراً”، بل هو اختبار لمصداقية الحوار الاجتماعي وقدرة الأطراف على تجاوز “منطق المواجهة” لخدمة المصلحة العامة.