بني ملال: رئيس الجهة يغرق في “بحر الهواة” والوالي بنريباك يبارك “سفينة التيه”

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
المشهد السياسي بجهة بني ملال-خنيفرة، بكل تعقيداته ومآلاته، لم يعد يُثير فقط “قلق المتتبعين”، بل أصبح مصدر إحباط حقيقي للسكان الذين ينتظرون منذ سنة كاملة من انتخابات 8 شتنبر “بارقة أمل” تنموية، فإذا بهم أمام واقع مُر: مجلس جهة يُدار بـ”عقلية الهواة”، وأغلبية هجينة وُلدت من “حسابات ضيقة”، ووالي يُراقب من بعيد بصمت يُفسره الكثيرون بـ”تواطؤ مريب”.
فبينما يُفترض أن تكون السنة الأولى من الولاية الجديدة محطة “انطلاق” لمشاريع كبرى، تحولت إلى سنة ضياع عُطّلت فيها سلسلة التنمية، وطغت فيها المصالح الضيقة على الصالح العام، في مشهد لا يزيد المواطن إلا “تململاً وفقداناً للثقة” في مؤسساته المنتخبة والوصية على حد سواء.
ولا يُعزى الصمت الملتبس لكثير من النخب المحلية حول ما يحدث في الساحة السياسية ببني ملال إلى “قبول بالواقع” أو “استسلام للأمر الواقع”، بل هو في حقيقته “سكوت العارف المستنكر”، كما يصفه المتتبعون، فأي حديث عقلاني في هذا الملف “لن يُسمع” في خضم الانشغال بـ”الصرعات الشخصية المخفية تحت غطاء المصلحة العامة”، ولن يُستوعب في ظل وضع لا يزال “ملتبساً” بفعل غياب الشفافية ووضوح الرؤية.
هذا الانسحاب “الذكي” للنخب يطرح سؤالاً وجودياً: متى تتحول “النخبة” من “مُتفرج مستنكر” إلى “فاعل مُغيّر”؟ وأي “مسؤولية” هذه التي تسمح للنخب بالصمت بينما تُغرق الجهة في “بحر الهواة”؟
مرت سنة كاملة على استحقاقات 8 شتنبر، ولا شيء تغير في واقع التدبير الجهوي ببني ملال. بل إن الوضع يبدو أكثر ارتباكاً وغموضاً، حيث تحولت عملية “الاسترضاء” و”تعويم سفينة المجلس” بحلول مؤقتة وترقيعية إلى استراتيجية دائمة لا تُنتج إلا مجالس “غير متماسكة”، وقرارات “غير مستدامة”.
والسؤال الجوهري: كيف يمكن لبنية هشة أن تُنتج تدبيراً رشيداً؟ وأي “تنمية” هذه التي تُبنى على “توافقات لحظية” لا على “رؤية استراتيجية”؟
لا يُخفي المتتبعون أن بناء الأغلبية بمجلس جهة بني ملال-خنيفرة كان منذ البداية عشوائياً وعبثياً، فرضته “حسابات ضيقة” لا علاقة لها بمصلحة الجهة أو مستقبلها، فـ”من كان يطمح لكرسي الرئاسة” لم يكن يبحث سوى عن “تأمين النصاب الكافي لا غير”، حتى ولو كان ذلك على حساب “مصلحة الجهة ومستقبلها”.
والنتيجة كانت متوقعة: وقوع الطامحين للتسيير في “ورطة” كبرى، عندما راهنوا على “أدوات تنقصها التجربة”، في وقت يحتاج فيه تدبير الشأن المحلي إلى “سياسيين متمرسين عارفين بخبايا الأمور”، لتأتي “العملية القيصرية” بـ”أغلبية هجينة” تحكمها من جهة “الحسابات الضيقة”، ومن جهة أخرى “الرغبة الجامحة في التسيير والظفر بعائداته”.
في خضم هذا الارتباك، يبرز دور والي جهة بني ملال-خنيفرة، بنريباك، كـ”طرف صامت” يُثير أكثر مما يُهدئ، فبينما يُفترض أن يلعب الوالي دور “الحَكَم المحايد” و”الضامن لاستمرارية المرفق العام”، يبدو أن الخيار هو مراقبة من بعيد دون تدخل حاسم لتصحيح المسار.
هذا “الصمت الإداري” يُفسر بطريقتين لا ثالث لهما، إما عجز عن التحكم في المشهد السياسي المحلي وفرض هيبة الدولة، وإما تواطؤ ضمني مع “الأغلبية الهجينة” لضمان استقرار شكلي على حساب التنمية الحقيقية، وفي كلتا الحالتين، فإن المواطن هو الخاسر الأكبر، والثقة في المؤسسة الوصية هي الضحية الأولى.
اليوم، لم يعد خافياً على أحد أن المصالح الضيقة أصبحت هي البوصلة التي توجه قرارات مجلس الجهة، بينما يُترك “الصالح العام” رهينة “حسابات انتخابية” و”توافقات لحظية”، هذا التحول الخطير لا يُهدد فقط “نجاعة التدبير”، بل يُرسّخ ثقافة “الغنيمة السياسية” التي تُحوّل المؤسسات المنتخبة إلى “ساحات تصفية حسابات” بدلاً من “فضاءات خدمة عمومية”.
والسؤال الاستراتيجي: كيف يمكن استعادة “البوصلة المفقودة”؟ وأي “نخبة سياسية” هذه التي تُقدم “مكاسب لحظية” على “مستقبل جهة بأكملها”؟
لم يعد مقبولاً أن تُترك جهة بحجم بني ملال-خنيفرة رهينة “هواة السياسة” و”صمت النخب”. ما يحتاجه المواطنون اليوم هو: تدخل حاسم من الوالي لتصحيح المسار، وفرض احترام مبادئ الحكامة، ومحاسبة المقصرين، مراجعة شاملة لتشكيلة الأغلبية، لضمان كفاءة التدبير واستقرار القرارات، إشراك النخب المحلية في صنع القرار، عبر آليات تشاورية تضمن تمثيلية حقيقية للكفاءات، مع محاسبة كل من يثبت تورطه في عرقلة التنمية أو تضييع المال العام، لضمان ردع حقيقي.
ما تعيشه جهة بني ملال-خنيفرة ليس “أزمة ظرفية”، بل هو اختبار وجودي لمصداقية التدبير الجهوي وقدرة المسؤولين على تجاوز “عقلية الغنيمة” لخدمة المصلحة العامة، فإما أن تتحرك قيادة المجلس، وبمساندة من الوالي، بجدية لتصحيح المسار، وضمان كفاءة التدبير، ومحاسبة المقصرين، وإما أن تستمر “ثقافة الهواة” التي تُغرق الجهة في “بحر الضياع” وتُهدر ثقة المواطنين في مؤسساتهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد