تطوان: الباعة الجائلون يحتلون والسلطة المحلية تتفرج والعامل المنصوري يعيد إنتاج ثقافة الإفلات من العقاب

هبة زووم – إلياس الراشدي
لم تعد مدينة تطوان، العروس الشمالية ذات التراث الأندلسي العريق، تتوفر على مقومات الحياة الكريمة في نظر العديد من سكانها وزوارها، بل أصبحت توصف بأنها توفر مسببات الموت والهروب.
فالمدينة التي كانت يوماً نموذجاً للجمال والنظام، باتت اليوم ابتليت بالإهمال وتقاسم الغنائم، في مشهد يعكس أزمة حكامة خانقة تهدد مستقبلها كقطب سياحي واقتصادي واعد، خاصة في ظل ما يشاع عن تواطؤ إداري في عهد العامل المنصوري.
فبينما يُفترض أن تكون السلطات المحلية حارسة للنظام وضامنة لاحترام القانون، تحولت شوارع تطوان وأزقتها إلى ساحة فوضى يسيطر عليها الباعة الجائلون وأصحاب العربات المجرورة بالدواب، خاصة في شهر رمضان المبارك، في ظل غياب واضح للرقابة وتواطؤ مُريب من أعوان السلطة الذين يكتفون بالمراقبة من بعيد.
فوضى رمضان والسلطة تتفرج
استغل الباعة الجائلون وأصحاب العربات المجرورة بالدواب شهر رمضان، ليبسطوا سيطرتهم على الأرصفة والطرقات العمومية والأزقة، بشكل فوضوي خطير جداً لدرجة أن أصحاب السيارات وحافلات النقل العمومي مُنعوا من حق المرور في شوارع مدينتهم.
هذا الاحتلال الصارخ يطرح إشكاليات وجودية: أين هي دوريات المراقبة التي يفترض أن تمنع الاحتلال غير القانوني للأرصفة والشوارع؟ ولماذا لا تُفعّل العقوبات القانونية ضد من يثبت تورطه في احتلال الملك العام؟ وكيف يمكن ضمان سلامة المشاة، خاصة النساء والأطفال وكبار السن، بينما تُترك الأرصفة رهينة بسطات لا تحترم القانون؟
فتحويل الفضاء العمومي من حق للمواطن إلى غنيمة للتجار لا يُهدد فقط السلامة العامة، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة التي لطالما عانت منها المدن المغربية.
قرار جماعي مُعلَّق وقائدة غائبة
يقع هذا المشهد الفوضوي أمام أعين أعوان السلطة ورجالها، رغم وجود قرار جماعي يمنع وجود العربات المجرورة بالدواب، وهو القرار الذي فُعلت مقتضياته في عهد القائدة السابقة، لكن في غيابها عادت الفوضى العامة والاحتلال الفاحش للملك العمومي والطرقات العمومية.
هذا التراجع المشبوه يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا تُحترم القرارات الجماعية بينما هي ملزمة قانوناً لجميع الفاعلين؟ وأين هي استمرارية المرفق العام التي يفترض أن تضمن تطبيق القانون بغض النظر عن تغير الأشخاص؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في سلطة القانون بينما تُترك القرارات حبيسة الأدراج في غياب مسؤول واحد؟
فتحويل تطبيق القانون من واجب مؤسسي إلى خيار شخصي لا يُهدد فقط مصداقية السلطات المحلية، بل يُعمّق شعور المواطنين باللامبالاة المؤسسية التي تُحوّل القرارات إلى أوراق شكلية لا التزامات ملزمة.
أعوان السلطة يتفرجون والشكايات في مهب الريح
يشاهد يومياً أعوان سلطة وخليفة للقائد يتجولون في المنطقة وسط هذه الطرقات والأزقة بدون أن يحركوا ساكناً، رغم شكايات الساكنة وأصحاب المحلات التجارية الملزمين بدفع ضرائب، وأصحاب السيارات الذين يعانون من اختناق مروري خانق.
هذا الصمت الإداري يطرح إشكاليات استراتيجية: أين هي آليات الاستجابة للشكايات التي يفترض أن تضمن تفاعلاً سريعاً مع انشغالات المواطنين؟ ولماذا لا تُعلن السلطات المحلية عن خطة عاجلة لتحرير الملك العام وإعادة الاعتبار للطرقات؟ وكيف يمكن لمحلات تدفع ضرائب أن تنافس بسطات عشوائية لا تدفع شيئاً وتحتل الفضاء العمومي مجاناً؟
فاستمرار ثقافة التغاضي لا يُهدر فقط مصداقية السلطات، بل يُرسّخ شعور المواطنين بالظلم المجالي الذي يُفضّل الفوضى على النظام، والمحتلين على دافعي الضرائب.
المشاة ممنوعون من أرصفتهم: أي كرامة هذه؟
حتى الراجلون مُنعوا من حق المرور فوق الأرصفة التي بسط عليها الباعة الجائلون أفرشتهم بالكامل وعرضوا مختلف المواد للبيع، يقع هذا في غياب المراقبة، في مشهد يُذكر بأسواق العصور الوسطى لا بمدينة عصرية في القرن الحادي والعشرين.
هذا الانتهاك الصارخ لحقوق المشاة يطرح سؤالاً وجودياً: أين هي كرامة المواطن الذي يُجبر على السير وسط الطريق معرضاً نفسه لخطر الدهس، فقط لأن رصيفه تحول إلى سوق عشوائي؟
فتحويل الرصيف من حق للمشاة إلى منصة للبيع لا يُهدد فقط السلامة العامة، بل يُعمّق شعور المواطنين باللامبالاة المؤسسية التي تُحوّل الفضاءات العمومية من حق للجميع إلى غنيمة للخواص.
العامل المنصوري على المحك: صمت يُفسر كتواطؤ؟
في ظل تفاقم هذه الفوضى، يبرز صمت عامل إقليم تطوان المنصوري، كنقطة ضعف إضافية، فبينما يُفترض أن يتدخل العامل كـ”قائد ميداني” لوضع حد للاحتلال، وإعادة الاعتبار لجمالية المدينة، وضمان احترام القانون، يبدو أن الخيار هو المراقبة من بعيد.
هذا الصمت الإداري يطرح أسئلة محرجة: أين هي الزيارات الميدانية للعامل لمعاينة واقع الطرقات والأرصفة المحتلة؟ ولماذا لا تُعلن عمالة تطوان عن حملة عاجلة لتحرير الملك العام ومعاقبة المخالفين؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في قدرة السلطات على حل المشاكل بينما تستمر الفوضى في الانتشار؟
فاستمرار الصمت لا يُضعف فقط مصداقية العامل، بل يُهدر ثقة الساكنة في قدرة الدولة على ضمان عيش كريم في مدينة بحجم تطوان.
ما ننتظره: من الفوضى إلى الرؤية الحازمة
لم يعد مقبولاً أن تُترك تطوان رهينة فوضى الباعة الجائلين واحتلال العربات المجرورة وصمت المراقبين، ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن الترابي اليوم هو حملة واسعة وعاجلة لتحرير الملك العام، مع فرض عقوبات صارمة على من يثبت تورطه في احتلال الأرصفة والشوارع.
كما يتطلب الأمر تفعيل فوري للقرار الجماعي الذي يمنع العربات المجرورة بالدواب، مع ضمان بدائل عملية لأصحابها لضمان انتقال سلس، بالإضافة إلى مراجعة منظومة المراقبة الميدانية، مع إلزام أعوان السلطة بالتدخل الفوري عند رصد أي خرق، ومحاسبة المقصرين.
ويُنتظر أيضاً فتح قنوات شكاية مباشرة بين الساكنة والعمالة، للإبلاغ الفوري عن أي احتلال للملك العام، مع نشر نتائج التدخلات، مع اعتماد شفافية كاملة في تدبير الفضاءات العمومية، وإشراك المجتمع المدني في مراقبة جودة التدخلات واحترام القانون.
إما حزم يُنقذ تطوان وإما استمرار في ثقافة الفوضى
ما تعيشه تطوان مع فضيحة احتلال الملك العام ليس تحدياً ظرفياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الترابية وقدرة العامل المنصوري على تجاوز عقلية المراقبة لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن يتحرك العامل بجدية لوضع حد للفوضى، وإعادة الاعتبار لجمالية المدينة، وضمان عيش كريم للسكان، وإما أن تستمر ثقافة الفوضى التي تُحوّل تطوان من عروس الشمال إلى ساحة فوضى وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة الدولة على تدبير شؤون مدنهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد