أكادير: قرار إغلاق مستشفى الحسن الثاني يثير غضب الهيئات النقابية والوزير يختار منهجية الانقلاب ويُغامر بحياة المرضى!

هبة زووم – أكادير
لم يكن قرار وزارة الصحة والحماية الاجتماعية القاضي بالإغلاق المؤقت للمركز الاستشفائي الجهوي الحسن الثاني بأكادير، ابتداء من نهاية شهر مارس الجاري، مجرد إجراء تقني روتيني، بل تحول إلى نموذج صارخ للتدبير الأحادي، والإقصاء الممنهج للفاعلين الميدانيين، والمغامرة غير المحسوبة بصحة مئات الآلاف من سكان جهة سوس ماسة.
فبينما تُعلن الوزارة أن الإغلاق يهدف إلى إعادة بناء الصرح الاستشفائي بميزانية تناهز 1.1 مليار درهم، ترفض الهيئات النقابية المنهجية التعسفية التي نُفّذ بها القرار، محذرة من تداعيات كارثية على المرضى والشغيلة على حد سواء، في غياب خطة بديلة مفصلة وقابلة للمحاسبة. مشهد يطرح سؤالاً وجودياً مُحرجاً: إلى متى ستستمر وزارة الصحة في بناء المستشفيات على أنقاض ثقة الشغيلة وسلامة المرضى؟ وأي إصلاح هذا الذي يُعلن عنه ببيانات صحفية لا بحوار ميداني؟
وفي هذا السياق، سجل التنسيق النقابي الصحي الموحد بإقليم أكادير إداوتنان، باستغراب شديد، تزامن صدور بلاغ الإغلاق مع زيارة وزير الصحة والحماية الاجتماعية للمدينة يوم 19 مارس 2026، حيث عقد اجتماعات مع السلطات المحلية دون أن يكلف نفسه عناء التواصل مع الشغيلة أو الاستماع إلى ممثليها.
وحاول التنسيق النقابي الموحد تفنيد البدائل المقترحة من طرف الوزارة، محذراً من تحويل الضغط الاستشفائي نحو المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس الذي يعمل أصلاً فوق طاقته، مؤكداً أن مصحة النهار والمؤسسات المجاورة غير مؤهلة تقنياً لاستيعاب كم الحالات الاستعجالية والولادات الحرجة.
هذا التحذير الميداني يطرح أسئلة محرجة: أين هي دراسة الأثر التي تقيس قدرة المؤسسات البديلة على استيعاب تدفق المرضى؟ وكيف سيتم ضمان استمرارية الرعاية للحالات الحرجة والولادات الطارئة خلال فترة الأشغال؟ ولماذا لا تُعلن الوزارة عن خطة طوارئ مفصلة تضمن عدم تضحية المرضى على مذبح إعادة البناء؟
فتحويل الإغلاق المؤقت من إجراء تقني إلى مغامرة غير محسوبة لا يُهدد فقط صحة المواطنين، بل يُعمّق شعور الشغيلة بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل الإصلاح من فرصة تطوير إلى ورشة مخاطر.
كما عبرت الشغيلة عن توجسها من عبارات إعادة التوزيع الواردة في بلاغ الوزارة، معتبرة إياها مقدمة لتنقيلات قسرية تمس الاستقرار المهني والاجتماعي للأطر الصحية التي لم يتم إشراكها في أي مرحلة من مراحل إعداد هذا المخطط.
هذا الخوف المشروع يطرح إشكاليات جوهرية: لماذا لا تُعلن الوزارة عن معايير إعادة التوزيع بشكل شفاف يطمئن الشغيلة؟ وأين هي ضمانات الاستقرار المهني للأطر الصحية التي قد تتأثر بالتنقيلات؟ وكيف يمكن تحفيز الشغيلة على المشاركة في الإصلاح بينما تُترك التنقيلات القسرية رهينة غموض إداري؟
فاستمرار غموض المعايير لا يُغذي فقط استياء المهنيين، بل يُهدر ثقتهم في قدرة الوزارة على حماية استقرارهم المهني أثناء مراحل الانتقال.
هذا، وتعتزم وزارة الصحة مباشرة الإغلاق المؤقت لمستشفى الحسن الثاني في أكادير، ابتداء من نهاية شهر مارس 2026، تمهيداً لانطلاق أشغال إعادة بنائه، في مشروع يعد بنقلة نوعية في مستوى التكفل الصحي، عبر مستشفى من الجيل الجديد بطاقة استيعابية تتراوح بين 415 و450 سريراً، وتجهيزات طبية متطورة، وخدمات استعجال معززة، وتطوير طب الأورام.
غير أن حسن النوايا في المشروع لا يكفي لضمان نجاحه، خاصة إذا رُفِق بتدبير أحادي يُغفل إكراهات الميدان، فالسؤال المحوري يبقى: كيف سيتم ضمان استمرارية الخدمات الصحية الجيدة خلال فترة الأشغال التي قد تمتد لسنوات؟ وأي مستقبل صحي هذا الذي يُبنى على إغلاق الحاضر دون ضمانات؟
وخلص التنسيق النقابي الموحد إلى إعلان حالة الاستنفار القصوى، مؤكداً رفضه التام لقرار الإغلاق الشامل في غياب خطة بديلة مفصلة وقابلة للمحاسبة.
كما توعد التنسيق بخوض كافة الأشكال النضالية والقانونية المتاحة لمواجهة ما وصفه بالسياسة القسرية، داعياً الوزارة إلى فتح حوار مباشر وعاجل لتفادي الاحتقان وتجنيب الإقليم أزمة صحية وشيكة قد تؤدي ثمنها الساكنة التي لا تجد بديلاً حقيقياً عن هذا الصرح الاستشفائي الجهوي.
هذا التهديد النضالي يطرح سؤالاً استراتيجياً: هل ستختار الوزارة حوار الإنقاذ قبل فوات الأوان؟ أم أن عقلية الإملاء ستقود المنطقة إلى مواجهة لا رابح فيها؟
فلم يعد مقبولاً اليوم أن تُترك قضية إعادة بناء مستشفى الحسن الثاني رهينة الصمت التواصلي والمنهجية الأحادية، ما يحتاجه المهنيون الصحيون والمواطنون والمهتمون بالشأن الصحي اليوم هو فتح حوار عاجل وشامل مع التنسيق النقابي والفاعلين الميدانيين، لصياغة خطة بديلة مفصلة تضمن استمرارية الرعاية الصحية خلال الأشغال.
كما يتطلب الأمر إعلان شفاف عن خريطة إعادة التوزيع للشغيلة، مع ضمانات مكتوبة للاستقرار المهني والاجتماعي للأطر المتأثرة، بالإضافة إلى نشر دراسة الأثر الاستشفائي التي تقيس قدرة المؤسسات البديلة على استيعاب المرضى، مع آليات مراقبة دورية لضمان جودة الخدمات.
ويُنتظر أيضاً وضع آلية طوارئ واضحة للحالات الحرجة والولادات الطارئة، مع تخصيص موارد بشرية ومادية كافية لضمان عدم التضحية بحياة المواطنين، مع اعتماد شفافية كاملة في تدبير مشروع إعادة البناء، ونشر تقارير دورية حول نسبة تقدم الأشغال وتأثيرها على الخدمات الصحية.
وفي الأخير، يمكن القول على أن ما تعيشه أكادير مع ملف إغلاق مستشفى الحسن الثاني ليس حدثا إداريا عاديا، بل هو اختبار لمصداقية الإصلاح الصحي وقدرة الوزارة على تجاوز عقلية الإملاء لخدمة المصلحة العامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد