هبة زووم – الرباط
في خطوة تحمل أكثر من قراءة، كشفت وزارة العدل عن حزمة من الإجراءات التي قالت إنها تروم حماية حقوق عمال النظافة والحراسة العاملين ضمن الصفقات العمومية، غير أن هذا الإعلان، بدل أن يُطمئن، يعيد إلى الواجهة حجم الاختلالات التي ظلت تطبع هذا القطاع لسنوات.
فالوزارة، في جواب رسمي على سؤال كتابي بمجلس المستشارين، أقرت بشكل غير مباشر بوجود أعطاب بنيوية في تدبير هذه الصفقات، من خلال تأكيدها على ضرورة إلزام الشركات باحترام مقتضيات مدونة الشغل المغربية (القانون رقم 65.99)، بما يشمل الحد الأدنى للأجور، وساعات العمل، والعطل القانونية، والتصريح بالعمال لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة هو: إذا كانت هذه المقتضيات منصوصاً عليها قانوناً منذ سنوات، فلماذا تُطرح اليوم من جديد كإجراءات “مستحدثة”؟ وهل الأمر يتعلق فعلاً بتعزيز الحماية، أم بمحاولة لاحتواء واقع من التجاوزات التي باتت مكشوفة؟
الوزارة شددت أيضاً على ضرورة توفير التغطية الاجتماعية والتأمين الإجباري عن المرض، وصرف الأجور عبر تحويلات بنكية داخل آجال محددة، وهي إجراءات تبدو بديهية في أي علاقة شغل سليمة، لكنها في واقع الحال ظلت، بالنسبة لعدد كبير من العمال، مجرد شعارات تصطدم بممارسات ميدانية عنوانها التأخير في الأجور، والتصريح الجزئي، بل وأحياناً الغياب التام لأي حماية اجتماعية.
وفي محاولة لإضفاء طابع الصرامة، تحدثت الوزارة عن آليات مراقبة جديدة، تُلزم الشركات بالإدلاء بوثائق تثبت احترامها لالتزاماتها، مع التلويح بتفعيل مساطر قسرية في حال تسجيل خروقات.
غير أن تجارب سابقة أظهرت أن الإشكال لا يكمن في غياب النصوص أو حتى آليات المراقبة، بل في ضعف تفعيلها، وغياب المتابعة الصارمة التي تضع حداً لثقافة الإفلات من العقاب.
الأخطر في هذا الملف، أن هذه الفئة من العمال تُعد من بين الأكثر هشاشة، حيث تشتغل في ظروف صعبة، بأجور محدودة، وبدون استقرار مهني، ما يجعلها الحلقة الأضعف في منظومة الصفقات العمومية، التي تتحول في كثير من الأحيان إلى مجال لتقليص الكلفة على حساب الكرامة الإنسانية.
أما بخصوص تحديد عدد العمال وفق معايير تقنية، كمساحة البنايات وعدد المداخل، فهو إجراء تنظيمي لا يخلو من أهمية، لكنه يظل عديم الجدوى إذا لم يُواكَب برقابة فعلية تضمن عدم التحايل عليه عبر تشغيل عدد أقل من العمال لتحقيق هامش ربح أكبر.
في المحصلة، يبدو أن إعلان وزارة العدل لا يعكس فقط إرادة إصلاح، بل يكشف أيضاً عن عمق الأزمة التي يعرفها هذا القطاع، حيث تتحول الحقوق إلى مجرد بنود في دفاتر التحملات، بينما يظل الواقع رهين ممارسات تتكرر في صمت.
وبين النص القانوني والتطبيق الفعلي، تبقى كرامة عمال النظافة والحراسة معلقة على سؤال واحد: هل تتحول هذه الإجراءات إلى واقع ملموس، أم ستظل حبيسة البلاغات الرسمية؟
تعليقات الزوار