هبة زووم – تمارة
في الوقت الذي تستعد فيه جماعة تمارة لإطلاق صفقة جديدة بملايين الدراهم لتدبير قطاع النظافة، عاد ملف عمال هذا القطاع الحيوي إلى الواجهة بقوة، ليس من باب الأرقام والعقود الضخمة، بل من زاوية اجتماعية تكشف حجم المفارقة الصادمة بين قيمة الصفقات، وهشاشة الأوضاع التي يعيشها أولئك الذين يحملون يوميا أطنان الأزبال عن المدينة في صمت.
فقد وجّه المكتب النقابي المحلي لعمال شركة “Arma” للنظافة، التابع للاتحاد العام للشغالين بالمغرب، مراسلة رسمية إلى رئيس جماعة تمارة، زهير الزمزامي، مطالبا بإدراج ملحق اجتماعي تعديلي ضمن دفتر التحملات المرتقب، بما يضمن الحد الأدنى من الكرامة والإنصاف لفئة ظلت، لسنوات طويلة، تؤدي مهامها الشاقة خارج دائرة الاعتراف الحقيقي بحقوقها الاجتماعية والمهنية.
هذه الخطوة النقابية لا تبدو مجرد مطلب تقني مرتبط بتعديل دفتر تحملات، بقدر ما تعكس حجم الاحتقان المتراكم داخل قطاع النظافة، الذي تحول في عدد من المدن إلى نموذج صارخ لتضخم الصفقات مقابل تهميش الإنسان، فبينما تُرصد الملايير لعقود التدبير المفوض، يظل العامل البسيط الحلقة الأضعف في منظومة تقوم أساسا على مجهوده اليومي.
عمال النظافة بتمارة، مثلهم مثل آلاف العمال عبر مدن المغرب، يشتغلون في ظروف قاسية تمتد من حر الصيف اللاهب إلى برد الشتاء القارس، وسط ساعات عمل مرهقة ومهام ميدانية شاقة، دون أن ينعكس ذلك بالشكل الكافي على أجورهم أو أوضاعهم الاجتماعية. والمفارقة الصادمة أن المدينة التي تستيقظ كل صباح نظيفة، نادرا ما تتذكر من يسهرون ليلا على تنظيفها.
المراسلة النقابية حملت رسائل قوية وواضحة، معتبرة أن أي دفتر تحملات جديد يفقد قيمته الأخلاقية والاجتماعية إذا ظل ينظر إلى قطاع النظافة باعتباره مجرد “صفقة تقنية” تُقاس بالكلفة والأرباح، لا خدمة عمومية أساسها الإنسان والكرامة المهنية.
وطالبت النقابة بمراجعة شاملة للأجور بما يتلاءم مع الغلاء المتصاعد وتكاليف المعيشة، مع إقرار مبدأ “نفس العمل، نفس الأجر”، لإنهاء التفاوتات التي يعيشها العمال داخل نفس المنظومة، إضافة إلى الرفع من قيمة المنح الشهرية والسنوية وتعميمها بشكل عادل.
كما دعت إلى إنصاف فئة السائقين الذين يتحملون مسؤوليات ثقيلة في قيادة الآليات وضمان استمرارية الخدمة العمومية، فضلا عن مراجعة التصنيفات المهنية، وإقرار تعويضات منصفة عن العمل الليلي، الذي يظل من أكثر الجوانب استنزافا لصحة العمال واستقرارهم الاجتماعي.
ولم تغفل المراسلة ملفا حساسا يتعلق بحق العمال في الكرامة وحماية المعطيات الشخصية، بعدما طالبت بتقنين تصويرهم أثناء أداء مهامهم داخل الفضاء العام، في ظل تنامي حالات التوثيق العشوائي التي قد تتحول أحيانا إلى شكل من أشكال التشهير أو المساس بخصوصية العامل.
لكن خلف هذه المطالب الاجتماعية، يطفو سؤال أكبر وأكثر إحراجا: كيف يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي لقطاع النظافة، بينما يستمر التعامل مع العمال كأرقام هامشية داخل منظومة مالية ضخمة؟ وكيف يمكن لجماعات ترابية أن تتباهى بصفقات بالملايين، في وقت لا يزال فيه من ينظفون الشوارع يطالبون بحقوق أساسية يفترض أنها بديهية؟
إن ما يجري اليوم بتمارة يعيد فتح النقاش حول فلسفة التدبير المفوض نفسها، وهل تحولت فعلا إلى وسيلة لتحسين جودة الخدمات وضمان كرامة العمال، أم إلى مجرد آلية لإنتاج صفقات ضخمة بأبعاد مالية، بينما يبقى البعد الاجتماعي آخر الأولويات؟
وبينما تقترب الجماعة من مرحلة إعداد دفتر تحملات جديد، تبدو الأنظار متجهة نحو مدى استعداد المجلس الجماعي لتحويل الشعارات الاجتماعية إلى التزامات فعلية داخل العقود المقبلة، بدل الاكتفاء بخطابات عامة عن الحكامة والجودة.
ففي النهاية، لا يمكن بناء مدينة نظيفة بعمال يعيشون الهشاشة، ولا يمكن الحديث عن خدمة عمومية ناجحة بينما يظل من يصنعونها يوميا خارج دائرة الإنصاف والاعتراف.
تعليقات الزوار