هبة زووم – محمد أمين
تحولت صفقة النظافة الجديدة بمدينة السعيدية إلى قنبلة سياسية فجرت موجة من الجدل داخل المجلس الجماعي وخارجه ، بعدما كشفت المستشارة الجماعية فاطمة الزهراء الماحي عن معطيات وصفتها بالخطيرة، تضع طريقة تدبير هذا المرفق الحيوي تحت مجهر المساءلة السياسية والقانونية .
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه سكان السعيدية تحسين خدمات النظافة وتجاوز الاختلالات التي رافقت السنوات الماضية ، وجدوا أنفسهم أمام صفقة تضاعفت قيمتها بشكل مثير للانتباه، بعدما انتقلت من حوالي 11 مليون درهم إلى 22 مليون درهم، أي بزيادة تقارب 100 في المائة، دون تقديم توضيحات مقنعة للرأي العام المحلي حول المبررات الحقيقية لهذا الارتفاع الكبير .
الأكثر إثارة للتساؤل، بحسب ما طرحته المستشارة الجماعية ، هو أن مدينة بركان ، التي تعرف نشاطاً سكانياً واقتصادياً دائماً على مدار السنة، لم تتجاوز قيمة عقود النظافة بها في بعض السنوات 23 مليون درهم، بينما السعيدية التي يبقى نشاطها مرتبطاً أساساً بالموسم الصيفي تشهد تضخماً غير مسبوق في تكلفة هذا القطاع .
هذا المعطى وحده يفتح الباب أمام أسئلة محرجة حول أسس احتساب الكلفة الجديدة ، وحول الدراسات التقنية والمالية التي اعتمدت لتبرير هذه الزيادة الضخمة. فهل يتعلق الأمر فعلاً بتحسين جودة الخدمات ؟ أم أن هناك اعتبارات أخرى ظلت بعيدة عن أعين المواطنين ؟
ولم يتوقف الجدل عند حدود الجانب المالي فقط، بل امتد إلى الاختيارات المرتبطة بموقع تجميع النفايات، بعدما تم الحديث عن إقامة هذا المرفق وسط تجمع سكني وعلى أرض جماعية ، وهو ما يثير مخاوف بيئية وصحية حقيقية لدى الساكنة التي تخشى تحول المنطقة إلى بؤرة للروائح الكريهة والتلوث .
وفي خضم هذا السجال، عادت إلى الواجهة اتهامات أكثر حساسية تتعلق بطريقة تدبير القطاع خلال السنوات الماضية ، حيث جرى الحديث عن توظيف ملف التشغيل داخل قطاع النظافة لأغراض انتخابية، واستعمال مناصب الشغل كوسيلة لاستمالة الأصوات وبناء الولاءات السياسية، في ممارسات تضرب مبدأ تكافؤ الفرص وتفرغ المرفق العمومي من رسالته الأساسية.
وتكتسب هذه الاتهامات خطورتها من كونها لا تستهدف شركة بعينها فقط، بل تطرح علامات استفهام حول أدوار الجهات التي كانت مكلفة بالتتبع والمراقبة، والتي يفترض أنها مسؤولة عن ضمان حسن تنفيذ العقود وحماية المال العام من أي تبذير أو سوء تدبير.
فإذا كانت المدينة قد عانت فعلاً من ضعف خدمات النظافة خلال الفترة الماضية، فإن المنطق السليم كان يقتضي محاسبة المسؤولين عن تلك الاختلالات وتقييم أسباب الفشل، لا الاكتفاء بمضاعفة قيمة العقد دون تقديم ضمانات واضحة بأن الخدمات ستتحسن فعلاً على أرض الواقع.
اليوم، لم يعد النقاش في السعيدية يتعلق فقط بالنفايات أو بشاحنات الجمع أو بعدد العمال، بل أصبح نقاشاً حول الحكامة والشفافية وحسن تدبير المال العام. فالمواطن الذي يؤدي الضرائب من حقه أن يعرف لماذا تضاعفت كلفة العقد، وما هي المكاسب الحقيقية التي ستعود عليه من هذه الزيادة.
وأمام إعلان المعارضة عزمها تتبع الملف قانونياً، تبدو صفقة النظافة مرشحة للتحول إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال المرحلة المقبلة، خاصة إذا استمرت الجهات المعنية في تجاهل الأسئلة المطروحة بشأن الكلفة الحقيقية للعقد، ومبرراته، وخلفياته، ومدى احترامه لمبادئ المنافسة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ففي مدينة تعيش على وقع رهانات سياحية واقتصادية كبرى، لا يمكن أن يبقى تدبير قطاع حيوي مثل النظافة محاطاً بكل هذا القدر من الغموض، لأن الثقة في المؤسسات تبدأ من وضوح الأرقام وتنتهي عند احترام ذكاء المواطنين
تعليقات الزوار