الرباط: إجماع آلي وتصويت ميكانيكي يخفي تفاصيل ما يحدث داخل دواليب مجلس العمالة

هبة زووم – الرباط
في مشهد يُعيد تعريف الممارسة الديمقراطية المحلية بأبشع معانيها، عقد مجلس عمالة الرباط، يوم الثلاثاء 24 مارس 2026، دورة استثنائية هادئة جداً: ثلاث نقاط في جدول الأعمال، مناقشة سريعة، ثم مصادقة بالإجماع دون أي صوت معارض أو حتى سؤال محرج.
مشهد لا يُثير فقط الاستغراب، بل يطرح سؤالاً جوهريا: إذا كانت كل القرارات صحيحة ومثالية فلماذا لا يُسمح حتى بسؤال واحد يُثري النقاش؟ وأي ديمقراطية تشاركية هذه التي تتحول فيها المصادقة من حق في النقاش إلى واجب في الموافقة؟
فبينما يُعلن المجلس عن اتفاقية شراكة مع جمعية أصدقاء المركب الاجتماعي عين عتيق، وبرمجة جزئية لفائض مالي، وتقرير تدقيق يعود لسنتين ماضيتين، يختار الأعضاء طريق الإجماع السهل بدلاً من النقاش الصعب، قرار قد يكون مريحاً إدارياً لكنه مُقلق ديمقراطيا.
هذا، وتناولت النقطة الأولى من جدول الأعمال دراسة والمصادقة على اتفاقية شراكة وتعاون بين ولاية جهة الرباط-سلا-القنيطرة، ومجلس عمالة الرباط، وجمعية أصدقاء المركب الاجتماعي عين عتيق.
لكن هذا الإعلان العام يطرح إشكاليات جوهرية: لماذا لا تُنشر بنود الاتفاقية كاملة للرأي العام، بدلاً من الاكتفاء بعناوين عامة؟ وأين هي دراسة الجدوى التي تُبرر اختيار هذه الجمعية بالتحديد دون غيرها؟ وكيف يمكن ضمان شفافية الشراكة بينما تُترك التفاصيل رهينة كواليس الإدارة؟
فتحويل الشراكات التنموية من مشاريع مفتوحة للنقاش إلى قرارات مغلقة تُصادق عليها المجالس لا يُهدر فقط حق المواطن في المعرفة، بل يُرسّخ ثقافة الديمقراطية الشكلية التي تُقدم سرعة الإجراءات على جودة النقاش.
فيما خصصت النقطة الثانية من الدورة لبرمجة جزئية للفائض الحقيقي للسنة المالية 2025، في خطوة وصفت بالحرص على حسن تدبير الموارد.
لكن هذا التبرير الإداري يطرح أسئلة محرجة: لماذا جزئياً فقط؟ وما مصير الجزء الآخر من الفائض؟ وأين هي أولويات الصرف التي تحدد لماذا يُوجه المال لهذا المشروع دون ذاك؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في تدبير الفائض بينما تُترك المعايير غامضة وغير معلنة؟
فتحويل البرمجة المالية من رؤية استراتيجية واضحة إلى قرارات جزئية غامضة لا يُهدر فقط فرص التنمية، بل يُعمّق شعور المواطنين بالعجز الرقابي الذي يُحوّل المال العام من أداة تنمية إلى ورشة غموض.
وتناولت النقطة الثالثة عرض التقرير النهائي المتعلق بالتدقيق السنوي للعمليات المالية والمحاسباتية برسم سنتي 2022-2023، المنجز من طرف المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية.
هنا يطرح السؤال بقوة: لماذا يُناقش تقرير تدقيق يعود لـ”2022-2023″ في مارس 2026؟ وأي محاسبة هذه التي تأتي بعد مرور سنتين أو أكثر على الأحداث؟
هذا التأخير غير المبرر يطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا لا تُعلن المفتشيات عن جدول زمني لنشر تقارير التدقيق لضمان المتابعة الفورية؟ وأين هي العقوبات الفورية للمقصرين الذين يُكشف عن تجاوزاتهم في التقارير؟ وكيف يمكن ضمان ردع حقيقي بينما تُترك التقارير تنتظر دورها في جدول الأعمال؟
فتحويل التدقيق المالي من أداة وقائية إلى مراسم تأخرية لا يُهدر فقط فرص المحاسبة، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المتابعة التي لطالما عانت منها الحكامة المالية في المغرب.
وبعد دراسة ومناقشة النقط المدرجة بجدول الأعمال، تمت المصادقة عليها بإجماع الأعضاء الحاضرين، لكن هذا الإجماع يطرح سؤالاً جوهريا: هل يعكس توافقاً حقيقيا حول القرارات؟ أم أنه يُجسد ثقافة الموافقة الآمنة التي تتجنب إثارة الأسئلة المحرجة؟
ففي الديمقراطيات الراسخة، يُعتبر النقاش المعارض ثروة تُثري القرار، أما في ديمقراطياتنا الشكلية، فالإجماع يُصبح أحياناً غطاءً لغياب الجرأة في طرح الأسئلة الصعبة.
لم يعد اليوم مقبولاً أن تُترك قرارات المجالس المنتخبة رهينة الشكليات الإدارية وصمت الأعضاء، فما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن المحلي اليوم هو نشر كامل لبنود الاتفاقيات قبل المصادقة عليها، لضمان حق المواطن في المعرفة والنقاش، تفصيل واضح لمعايير برمجة الفائض المالي، مع إشراك الخبراء المستقلين في تحديد الأولويات، مع تسريع نشر تقارير التدقيق، مع محاسبة فورية لكل من يثبت تورطه في تجاوزات مالية.
ما تعيشه الرباط مع دورة مجلس العمالة ليس إجراءً إدارياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية الممارسة الديمقراطية المحلية وقدرة المنتخبين على تجاوز “عقلية الموافقة الآمنة” لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحول المجالس المنتخبة إلى فضاءات حقيقية للنقاش والمحاسبة، حيث يُطرح السؤال الصعب قبل المصادقة، وإما أن تستمر ثقافة الإجماع السهل التي تُحوّل الديمقراطية المحلية من موعد للمساءلة إلى ورشة شكليات وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة مؤسساتهم على تمثيلهم بجرأة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد