هبة زووم – بنسليمان
نحن الذين نعيش في مدينة بنسليمان طول فصول السنة، نعاني من “زواج قسري” مع الأزمات، فقد أصبحت حياتنا عبارة عن جملة من المظاهر التي تعيدنا إلى عصور سابقة: بدءاً من البطالة المتفشية التي تفتك بالشباب، وصولاً إلى الخدمات الاجتماعية المتردية، مروراً بانعدام المرافق الترفيهية، ووصولاً إلى غياب أبسط حقوق الإنسان من صحة وتعليم وشغل لائق.
مشهد لا يعكس فقط واقعاً معيشياً صعباً، بل يطرح سؤالاً جوهرياً حول مصير مدينة كانت يوماً ما واعدة، وتحولت اليوم إلى ما يصفه سكانها بمقبرة لمواطنين أحياء.
في ظل هذا الواقع، يلجأ المواطن السليماني في أوقات فراغه إلى الفضاء الرقمي بحثاً عن متنفس مؤقت، ينسى فيه لعنة الانتظار وعوامل معاناته اليومية، مستمتعاً بإنجازات تثلج الصدر لمسؤولين في مدن أخرى، لكن سرعان ما يعود إلى واقعه بكل حسرة، إما برسالة استنفاذ الرصيد أو ببطء الشبكة، ليجد أن القيلولة الوهمية انتهت، وأن المعاناة لا تزال تنتظره على أحر من الجمر.
تُجمع شكايات الساكنة على أن بنسليمان تعيش حالة من التراجع الخدمي والتنموي، حيث تبدو مظاهر الحياة اليومية أقرب إلى عقود مضت منها إلى طموحات القرن الحادي والعشرين، فالبطالة لم تعد مجرد إحصائية، بل أصبحت واقعاً يومياً يهدد مستقبل الشباب، والخدمات الصحية والتعليمية، التي يفترض أن تكون حقاً دستورياً، تحولت إلى رفاهية يصعب الوصول إليها بجودة مقبولة.
هذا الواقع يطرح أسئلة مشروعة: لماذا تتخلف ابن سليمان عن مدن الجوار التي نجحت في تحقيق إقلاعة تنموية ملحوظة؟ أين هي الخطط الاستعجالية لمعالجة التردي الخدمي الذي يؤثر مباشرة على كرامة المواطنين؟ وكيف يمكن تفسير استمرار معاناة الساكنة بينما تتوفر الإمكانيات والموارد البشرية المؤهلة؟
فاستمرار هذا الوضع دون تحرك جاد لا يُهدر فقط فرص التنمية، بل يُعمّق شعور المواطنين بالإحباط وفقدان الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة لانتظاراتهم المشروعة.
وفي ظل غياب البدائل، يتحول الإنترنت إلى ملاذ مؤقت للمواطن السليماني، يبحث فيه عن لحظات من الراحة الفكرية بعيداً عن ضغوط الواقع، لكن هذا الهروب الرقمي لا يحل المشاكل، بل يؤجل فقط لحظة المواجهة مع واقع تتراكم فيه المعضلات.
وهنا يبرز سؤال آخر: إذا كان المواطن يضطر للهروب رقمياً من واقعه، فأين هي الجهود المبذولة لتحسين هذا الواقع على الأرض؟ وهل تكفي الوعود والبيانات لملء الفراغ الذي تتركه المشاريع المتعثرة والخدمات الغائبة؟
وفي ظل هذه المعطيات، تتجه الأنظار نحو العامل بوكوطة، بوصفه المسؤول الترابي المباشر عن تدبير شأن الإقليم، فالمواطن لا يطلب المستحيل، بل ينتظر بادرة أمل حقيقية، وخطة عمل واضحة، وإرادة سياسية قادرة على كسر حلقة الفشل وإعادة الثقة في المستقبل.
لكن حتى الآن، يبدو أن سفينة المدينة لا تزال تجدف دون وجهة واضحة، بينما تتراكم الأسئلة حول نجاعة السياسات المتبعة وقدرة المسؤولين على مواجهة التحديات بجرأة وشفافية.
لم يعد مقبولاً اليوم أن تُترك ابن سليمان رهينة الشكوى والانتظار، ما يحتاجه المواطنون اليوم هو: خطة إنقاذ استعجالية وشاملة، تشمل محاور التشغيل، الصحة، التعليم، والبنية التحتية، مع آجال تنفيذ واضحة، شفافية في تدبير الملفات الحساسة، ونشر تقارير دورية حول تقدم المشاريع وجودة الخدمات، إشراك فعلي للمجتمع المدني والفاعلين المحليين في رصد الاحتياجات ومراقبة التنفيذ، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره في تدبير الشأن العام، بغض النظر عن منصبه.
ما تعيشه ابن سليمان ليس مجرد تراجع ظرفي، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية الحكامة الترابية وقدرة المسؤولين على تجاوز منطق إدارة الأزمة لخدمة المصلحة العامة، فإما أن تتحول الوعود إلى أفعال ملموسة تعيد الأمل لسكان المدينة، وإما أن يستمر الوضع على ما هو عليه، مما يهدد بمزيد من تآكل الثقة وتعميق الفجوة بين المواطن ومؤسساته.
تعليقات الزوار