هبة زووم – الرباط
في خطوة تعكس حجم الارتباك الذي يعيشه قطاع النقل الجوي بالمغرب، أعلنت الخطوط الملكية المغربية تعليق عدد من رحلاتها الدولية، مبررة القرار بالارتفاع الحاد في أسعار الكيروسين الناتج عن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إلى جانب تراجع الطلب على بعض الخطوط. لكن خلف هذا التبرير التقني والمالي، يطفو سؤال أكبر وأكثر إزعاجًا: هل تعيش “لارام” أزمة ظرفية مرتبطة بالسوق الدولية، أم أن الأمر يكشف اختلالًا أعمق في نموذج التدبير والاستباق داخل الشركة الوطنية؟
فالبلاغ الرسمي حاول تقديم القرار باعتباره “إجراءً للتكيف” فرضته التحولات العالمية التي تضرب قطاع الطيران، غير أن المتتبعين يرون أن تعليق هذا العدد الكبير من الخطوط، خاصة نحو إفريقيا وأوروبا، لا يمكن اختزاله فقط في ارتفاع أسعار الوقود، لأن جميع شركات الطيران العالمية تواجه الظروف نفسها، لكنها لا تلجأ بالسهولة نفسها إلى إلغاء خطوط استراتيجية بهذه الطريقة المفاجئة.
اللافت أن الخطوط التي جرى تعليقها ليست هامشية، بل تشمل وجهات إفريقية تعتبر تاريخيًا جزءًا من العمق الاستراتيجي للمغرب، مثل كينشاسا، دوالا، ياوندي، برازافيل وليبروفيل، إضافة إلى خطوط أوروبية تربط طنجة ومراكش بمدن حيوية كبرشلونة، مالقة، بروكسيل، ليون وبوردو.
وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل تموقع الخطوط الملكية المغربية داخل السوق الإفريقية والأوروبية، خاصة في ظل المنافسة الشرسة لشركات الطيران الخليجية والتركية والإفريقية منخفضة التكلفة.
الأخطر من ذلك أن القرار يأتي في وقت تحاول فيه المملكة الترويج لصورتها كمنصة لوجستيكية وسياحية وجوية تربط إفريقيا بأوروبا والعالم، بينما الواقع يكشف أن الناقل الوطني يجد نفسه مضطرًا إلى الانسحاب المؤقت من خطوط حيوية بدل تعزيز حضوره بها. فكيف يمكن الحديث عن “ريادة جوية إفريقية” في الوقت الذي يتم فيه تقليص الشبكة الدولية بهذا الشكل؟
ثم إن المسافر المغربي يظل دائمًا الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فبلاغ “لارام” تحدث بلغة عامة عن “اتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم المسافرين”، دون تقديم تفاصيل واضحة حول التعويضات أو البدائل أو كيفية تدبير ارتباك مئات المسافرين الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام رحلات ملغاة، وهو ما يعيد إلى الواجهة الانتقادات القديمة الموجهة للشركة الوطنية بخصوص ضعف التواصل وغياب الشفافية في تدبير الأزمات.
الواقع أن ارتفاع أسعار الكيروسين ليس معطى جديدًا أو مفاجئًا، بل أزمة عالمية كانت تفرض على الخطوط الملكية المغربية الاشتغال منذ سنوات على بناء نموذج أكثر مرونة وقدرة على الصمود، عبر تنويع الموارد، وتطوير أسطول أقل استهلاكًا للطاقة، وتحسين الحكامة الداخلية، بدل الاكتفاء بسياسة رد الفعل كلما اشتدت الأزمات الدولية.
اليوم، يبدو أن “لارام” تدفع ثمن سنوات من التدبير المرتبك وغياب رؤية استراتيجية واضحة، بينما يدفع المواطن المغربي والمسافر الإفريقي فاتورة قرارات متأخرة تُتخذ تحت ضغط الأزمات لا بمنطق الاستباق.
فهل ما يحدث مجرد تعليق مؤقت لرحلات، أم بداية انكماش جديد يهدد مكانة الخطوط الملكية المغربية داخل سوق طيران عالمي لا يرحم الضعفاء؟
تعليقات الزوار