تطوان.. البحر يبتلع حلم سلمى مكوح ويعيد جثمانها إلى عائلتها

هبة زووم – حسن لعشير
لم تكن رحلة سلمى مكوح نحو سبتة المحتلة مجرد محاولة للهجرة، بل كانت بالنسبة إلى شابة في مقتبل العمر رحلة انتهت بمأساة إنسانية ثقيلة، بعدما ابتلعها البحر خلال موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها سواحل الفنيدق نهاية يوليوز الماضي.
سلمى، البالغة من العمر 22 سنة، والمنحدرة من منطقة الملاليين بإقليم تطوان، كانت من بين المئات الذين اندفعوا، يوم الخميس 30 يوليوز 2026، نحو مدينة سبتة في محاولة جماعية للوصول إليها عبر البر والبحر.
لكن الاندفاع الجماعي، وخطورة المسار البحري، وعدم إتقان عدد من المشاركين للسباحة، حولت الحلم بالوصول إلى الضفة الأخرى إلى مأساة، بعدما لقي عدد من الأشخاص مصرعهم غرقاً، فيما ظل مصير آخرين مجهولاً لأيام.
وكانت أسرة سلمى تعيش على وقع الانتظار والقلق، بعدما فقدت الاتصال بها خلال تلك الأحداث، قبل أن تتأكد الفاجعة مع العثور على جثمانها.
وبحسب المعطيات المتداولة، كان شقيقها قد تمكن من الوصول إلى سبتة، غير أنه أدرك أن شقيقته لم تصل معه، فسارع إلى إبلاغ الحرس المدني الإسباني بالمعلومات المتعلقة بها، أملاً في المساعدة على تحديد مصيرها.
غير أن الانتظار انتهى بالخبر الأكثر قسوة، فقد تم التعرف على جثمان سلمى، الذي ظل محفوظاً بمستودع الأموات في سبتة، في انتظار استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لنقله إلى منطقة الملاليين، حيث تنتظر عائلتها المفجوعة أن تعود ابنتها إلى مسقط رأسها لتوارى الثرى بين أهلها وذويها.
قصة سلمى تختزل الوجه الأكثر قسوة لظاهرة الهجرة الجماعية التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الماضية، فوراء الأرقام والصور ومشاهد الحشود التي تتجه نحو الحدود، هناك أسماء ووجوه وأسر تعيش لحظات لا يمكن اختزالها في خبر عابر، هناك شاب ينتظر أخاه، وأم تنتظر ابنتها، وأسرة تبحث عن معلومة، وأخرى تتلقى خبراً يقلب حياتها في لحظة.
ومأساة سلمى تفتح من جديد النقاش حول الأسباب التي تدفع شباباً في مقتبل العمر إلى المخاطرة بحياتهم في البحر، في رحلات محفوفة بالموت، بحثاً عن مستقبل أفضل أو عن فرصة للخروج من واقع يثقلهم.
كما تطرح هذه الفواجع سؤالاً أكبر حول ضرورة معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل الهجرة تبدو بالنسبة إلى بعض الشباب خياراً يستحق المخاطرة بالحياة.
فلا ينبغي أن تتحول مأساة الضحايا إلى مجرد أرقام في حصيلة عابرة، ولا أن يُنظر إلى الذين يخاطرون بحياتهم باعتبارهم مجرد “مهاجرين غير شرعيين” بعيداً عن القصص الإنسانية التي تقف خلف كل محاولة.
سلمى اليوم ليست رقماً، إنها شابة في الثانية والعشرين من عمرها، لها أسرة وأخ وأحلام وحياة توقفت بشكل مأساوي عند حدود البحر.
وبينما تستعد عائلتها لاستقبال جثمانها، تبقى الأسئلة الأعمق معلقة: لماذا يختار شباب في مقتبل العمر طريقاً قد ينتهي بالموت؟ ولماذا تتحول سواحل الشمال، في بعض الفترات، إلى مسرح لموجات جماعية من المخاطرة بالحياة؟
أسئلة لا يمكن للبحر أن يجيب عنها، لكن جثمان سلمى، كما جثامين الضحايا الآخرين، يفرض على الجميع التوقف طويلاً أمامها.
رحم الله سلمى، وألهم عائلتها الصبر، وجعل مأساة هذه الشابة مناسبة لإعادة التفكير في الأسباب التي تدفع شباب المنطقة إلى ركوب البحر بحثاً عن حياة أفضل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد