هبة زووم – أزيلال
لم تعد لدغات الأفاعي بإقليم أزيلال مجرد حوادث عرضية تفرضها طبيعة المنطقة الجبلية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى جاهزية المنظومة الصحية وقدرتها على إنقاذ الأرواح في الوقت المناسب.
والمأساة الأخيرة التي انتهت بوفاة سيدة متأثرة بلدغة أفعى سامة تعيد طرح السؤال الذي لا يمكن دفنه بالصمت: أين هي الأمصال المضادة للسموم؟ وأين هي خطة الاستجابة الاستعجالية لمثل هذه الحالات؟
فقد لفظت سيدة أنفاسها الأخيرة داخل مستشفى بمدينة مراكش، بعدما تعرضت، وفق المعطيات المتداولة، في الساعات الأولى من الصباح، للدغة أفعى سامة بدوار إميزار التابع لجماعة بني حسان بإقليم أزيلال.
الضحية لم تكن في نزهة أو مغامرة استثنائية؛ كانت، ببساطة، في طريقها للقيام بعملها اليومي وجلب العلف للماشية، قبل أن تتحول لدغة واحدة إلى مأساة عائلية انتهت بالموت، وهنا تحديداً تكمن خطورة القضية.
وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الزمن مجرد رقم في ساعة المستعجلات، بل قد يكون الفاصل بين الحياة والموت.
وإذا كانت المعطيات المتداولة حول غياب الأمصال الضرورية داخل الإقليم صحيحة، فإن السؤال لا ينبغي أن يوجه فقط إلى الأطباء الذين استقبلوا الضحية في نهاية المطاف، وإنما إلى منظومة التدبير والجاهزية الصحية بأكملها.
لماذا يُترك مواطن بإقليم جبلي شاسع مضطراً إلى قطع مسافات طويلة نحو مراكش بحثاً عن علاج يفترض أن يكون متاحاً، أو على الأقل أن تكون وسائل الاستجابة له متوفرة بالقرب منه؟ وهل يعقل أن تتحول المسافة الجغرافية إلى عامل إضافي يهدد حياة المصاب؟
وهنا يبرز دور عامل إقليم أزيلال حسن الزيتوني، باعتباره المسؤول الترابي الأول عن الإقليم، في التنسيق وتتبع مختلف الملفات التي تمس حياة المواطنين، وفي مقدمتها الاستعداد لمخاطر معروفة ومتكررة في المناطق الجبلية.
فليس المطلوب من المسؤول الترابي أن يظهر فقط في المناسبات الرسمية، أو أن يشارك في لقاءات بروتوكولية وصور احتفالية بمناسبة اليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج.
المواطن الذي يتعرض للدغة أفعى لا يحتاج إلى صورة جماعية ولا إلى خطاب بروتوكولي؛ يحتاج إلى سيارة إسعاف، ومصل مضاد للسموم، وطبيب، وتجهيزات، وتدخل سريع، وهذه هي الأولويات الحقيقية التي تقاس بها جدية الإدارة الترابية، وليس عدد الصور المنشورة في المناسبات.
وإذا كان الإقليم يعرف بحكم طبيعته الجغرافية وانتشار الأنشطة الفلاحية والرعي احتمال وقوع مثل هذه الحوادث، فإن الجاهزية المسبقة ليست ترفاً إدارياً، وإنما مسؤولية مباشرة في حماية الأرواح.
والسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: هل تتوفر المؤسسات الصحية بإقليم أزيلال على الأمصال المضادة لسموم الأفاعي بالكميات اللازمة؟ وإذا كانت متوفرة، فأين توجد؟ وهل هناك مخزون استعجالي؟ وهل يتم تحيينه ومراقبته باستمرار؟ وما هو البروتوكول المعتمد عند استقبال حالة لدغة أفعى؟ أما إذا كانت غير متوفرة، فالسؤال يصبح أكثر خطورة: لماذا؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا النقص؟
ولا ينبغي أن يتحول هذا السؤال إلى تبادل للمسؤوليات بين المندوبية الإقليمية للصحة والمديرية الجهوية والوزارة والسلطات الترابية، فالمواطن يريد جواباً واحداً: كيف ماتت امرأة بسبب سم أفعى في زمن يفترض أن تكون فيه منظومة الطوارئ الصحية قادرة على التدخل قبل فوات الأوان؟
أزيلال يا سادة ليست حياً من أحياء مراكش حتى يُفترض أن يصل المواطن إلى مستشفياتها في دقائق، إنها منطقة جبلية مترامية الأطراف، تتوزع فيها الدواوير على مسافات شاسعة، وتفرض التضاريس والطرق تحديات حقيقية أمام سيارات الإسعاف والنقل الاستعجالي.
ولهذا فإن نقل المصاب إلى مراكش بعد تدهور حالته ليس بالضرورة حلاً، بل قد يكون مؤشراً على غياب منظومة استشفائية قادرة على التدخل في الوقت المناسب داخل الإقليم نفسه.
فاللامركزية الصحية لا تعني بناء جدران المستشفيات فقط، وإنما تعني توفير شروط العلاج والاستجابة للحالات الاستعجالية بالقرب من المواطن.
المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالتأسف على وفاة الضحية، ولا إصدار بلاغات عامة حول الخدمات الصحية، المطلوب هو فتح تحقيق إداري وصحي لتحديد ظروف التكفل بالحالة، والتحقق من مدى توفر الأمصال، ومعرفة زمن الاستجابة، ومسار نقل الضحية، وتحديد مكامن الخلل إن ثبت وجودها.
كما أن من حق ساكنة أزيلال أن تعرف خطة السلطات الصحية والترابية لمواجهة لدغات الأفاعي خلال فصل الصيف، وعدد الأمصال المتوفرة، ومواقع تخزينها، وآليات توزيعها، ومدى جاهزية سيارات الإسعاف والمراكز الصحية لاستقبال مثل هذه الحالات.
لأن وفاة مواطنة بسبب لدغة أفعى لا ينبغي أن تمر باعتبارها مجرد “قضاء وقدر” دون مساءلة مؤسساتية عن كل ما يمكن للمنظومة الصحية أن تفعله لتقليل مخاطر الوفاة.
في أزيلال، لا يحتاج المواطن إلى مسؤول يجيد التقاط الصور بقدر ما يحتاج إلى مسؤول يجيد توقع المخاطر والتدخل قبل أن تتحول إلى فواجع.
فإذا كان المصل موجوداً ولم يصل في الوقت المناسب، فهذه مسؤولية يجب تحديدها، وإذا لم يكن موجوداً أصلاً، فالمسؤولية أكبر، أما أن يبقى المواطن ينتظر النجدة وهو ينزف تحت تأثير السم، ثم يُنقل مئات الكيلومترات بحثاً عن العلاج، فذلك سؤال كبير حول معنى الجاهزية الصحية والعدالة المجالية في الحق في الحياة.
تعليقات الزوار