طنجة.. حين يصبح الخطاب شيئاً والممارسة شيئاً آخر: أسئلة محرجة حول الثقة والسلطة

هبة زووم – إلياس الراشدي
في طنجة، كما في غيرها من المدن، لا تُقاس علاقة المواطن بالمؤسسات فقط بما يقال في الخطب والبلاغات، وإنما بما يراه على أرض الواقع. وحين تتسع المسافة بين الخطاب الرسمي والممارسة اليومية، يبدأ سؤال الثقة في الظهور، وتصبح الازدواجية في المواقف موضوعاً للنقاش العام.
ولعل أكثر ما يثير القلق هو ذلك الإحساس المتنامي لدى بعض المواطنين بوجود مواقف معلنة تختلف عما يجري في الكواليس، سواء تعلق الأمر بالفاعلين السياسيين أو ببعض المتدخلين في تدبير الشأن المحلي، غير أن الحديث عن هذا النوع من السلوك يحتاج إلى أدلة ومعطيات محددة، بدل تحويل الانطباعات العامة إلى أحكام جاهزة على أشخاص أو مؤسسات.
فالنفاق، في معناه السياسي والإداري، لا يعني مجرد الاختلاف في المواقف، وإنما يشير إلى حالة يكون فيها الخطاب المعلن متعارضاً بشكل واضح مع الممارسة الفعلية، خصوصاً عندما يكون الهدف المفترض هو تحقيق مصلحة شخصية أو سياسية على حساب المصلحة العامة.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات والسلطات المحلية في الحفاظ على وضوح الخطاب وتناسق الممارسة. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى وعود حول الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بل يريد أن يرى هذه المبادئ مطبقة في القرارات والتدابير اليومية.
وفي مدينة بحجم طنجة، حيث تتقاطع رهانات التنمية والاستثمار والتعمير والتهيئة الحضرية والمجال الانتخابي، تصبح مسألة الثقة أكثر حساسية. فأي شعور بوجود معايير مختلفة في التعامل مع الملفات أو الفاعلين يمكن أن يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول تكافؤ الفرص وحياد الإدارة ووضوح القرار العمومي.
كما أن ضعف آليات الرقابة والمساءلة، متى وُجد، قد يساهم في توسيع الفجوة بين المواطن والمؤسسات. فالمحاسبة لا ينبغي أن تكون مجرد شعار موسمي، وإنما ممارسة مؤسساتية تسمح بتقييم القرارات، ومساءلة المسؤولين عنها، وتصحيح الاختلالات عندما تثبت.
أما اختزال كل شيء في المصالح الشخصية، فهو بدوره يحتاج إلى أدلة. فالحديث عن استفادة مسؤول أو فاعل معين من موقعه لا يمكن أن يقوم على الانطباعات أو الإشاعات، وإنما على وقائع قابلة للتحقق، ووثائق، وقرارات، ومسارات إدارية ومالية واضحة.
لكن الثابت أن استمرار الاعتقاد بوجود ازدواجية في الخطاب والممارسة يضر بصورة المؤسسات، حتى قبل أن تثبت أو تنفى الاتهامات. فالثقة العامة هشة، وتُبنى عبر الوضوح والمساواة في تطبيق القواعد، كما يمكن أن تتآكل عندما يشعر المواطن بأن هناك فرقاً بين ما يقال أمامه وما يجري بعيداً عن الأنظار.
والأخطر أن فقدان الثقة قد يتحول إلى حالة من اللامبالاة السياسية والاجتماعية، حين يبدأ المواطن في الاعتقاد بأن المشاركة والالتزام بالقواعد لا يغيران شيئاً. وفي هذه الحالة لا تكون الخسارة مرتبطة بجهة واحدة، بل تطال المجتمع والمؤسسات معاً.
طنجة اليوم تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى خطاب عمومي واضح، وإدارة تُقاس أفعالها بالقانون والشفافية، وآليات رقابة قادرة على التدخل كلما ظهرت مؤشرات على وجود اختلالات.
فالمشكلة ليست في اختلاف المواقف، ولا في تعدد المصالح داخل المدينة، وإنما في أن يتحول التناقض بين القول والفعل إلى قاعدة، وأن يصبح المواطن عاجزاً عن معرفة أين ينتهي الخطاب الرسمي وأين تبدأ الممارسة الفعلية.
وفي النهاية، لا تكفي الاتهامات ولا خطابات التبرير. الفيصل هو الوثيقة، والقرار الإداري، والمسؤولية القانونية، وحق المواطن في معرفة كيف تُدار شؤونه ومن يتحمل مسؤولية القرارات المتخذة باسمه.*

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد