العرائش في عهد العامل بوعاصم العالمين: هل دخلت مراقبة الجماعات مرحلة “العطلة المفتوحة”؟
هبة زووم – إلياس الراشدي
في العرائش، لا يبدو السؤال اليوم متعلقاً فقط بما يقع داخل مكاتب الجماعات الترابية، بل بما يحدث خارجها أيضاً: أين هي آليات المراقبة؟ أين تقارير الافتحاص؟ وأين انتهت ملفات الاختلالات التي سبق أن أثارت الكثير من الجدل؟
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تشكل المراقبة الإدارية والمالية والقضائية خط الدفاع الأول عن المال العام، يطرح واقع عدد من الجماعات الترابية بإقليم العرائش أسئلة محرجة حول مدى فعالية منظومة الرقابة، وحول ما إذا كانت المساطر المتخذة في حق بعض المنتخبين قادرة فعلاً على إنتاج نتائج ملموسة، أم أن الأمر ينتهي في كثير من الحالات عند حدود التنبيه والتوقيف المؤقت وتبادل المراسلات.
والقول إن الفساد، متى ثبت قضائياً، لا يمثل مجرد خرق إداري، ليس مبالغة. فالمال الذي يُبدد أو يُختلس هو في النهاية مال عمومي كان يفترض أن يتحول إلى طريق أو إنارة أو تجهيز أو خدمة اجتماعية. ومن هنا تصبح حماية المال العام مسؤولية مؤسساتية لا تحتمل الحسابات الضيقة ولا الانتقائية.
لكن الإشكال الأكبر لا يكمن فقط في وجود شبهات أو اتهامات، وإنما في ما يحدث بعدها، هل تُفتح الأبحاث بالسرعة المطلوبة؟ هل تصل تقارير التفتيش والافتحاص إلى نهاياتها الطبيعية؟ هل تُحال الملفات التي تتوفر بشأنها معطيات جدية على الجهات المختصة؟ وهل يعرف المواطن مصير الملفات التي شغلت الرأي العام المحلي؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر في سياق الحديث عن تراجع قرارات توقيف بعض رؤساء الجماعات والمنتخبين مقارنة بفترات سابقة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل توقيف سابق كان سليماً أو أن كل عدم توقيف يمثل تقصيراً؛ فالتوقيف إجراء إداري له شروطه ومساطره، والحسم في المسؤولية الجنائية من اختصاص القضاء. لكن تراجع القرارات الرقابية، إن ثبت، يستحق تفسيراً مؤسساتياً واضحاً.
وفي عهد العامل بوعاصم العالمين، يصبح من المشروع مساءلة الإدارة الترابية عن حصيلة المراقبة، لا باعتبار العامل مسؤولاً شخصياً عن كل ما يقع داخل الجماعات، وإنما باعتباره ممثلاً للسلطة الإدارية على المستوى الترابي، وما يترتب عن ذلك من أدوار قانونية في مجال التتبع والمراقبة والتنسيق.
فهل توجد ملفات اختلالات مفتوحة؟ وما عددها؟ وما مآلها؟ وكم من تقرير افتحاص تم إنجازه؟ وكم من ملف تمت إحالته على الجهات القضائية المختصة؟ وكم من قرار توقيف صدر خلال الفترة الأخيرة، وما هي حيثياته القانونية؟ المواطن لا يحتاج إلى خطابات عامة عن الحكامة بقدر ما يحتاج إلى نتائج قابلة للقياس.
فالمنتخب، بمجرد انتخابه، لا يحصل على حصانة من المساءلة، كما أن مجرد توجيه الاتهام إليه لا يجعله مداناً. وبين هذين الحدين توجد دولة المؤسسات: افتحاص، تحقيق، مسطرة قانونية، ثم قضاء يحسم في المسؤوليات.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الغموض إلى قاعدة، وعندما تختفي الملفات في دهاليز الإدارة، وعندما لا يعرف المواطن هل انتهت القضية بقرار قانوني أم ما زالت معلقة إلى أجل غير مسمى.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب تدبير الشأن المحلي ليس فقط وقوع اختلالات، وإنما التطبيع معها، أو خلق الانطباع بأن بعض الملفات لا تصل أبداً إلى نهايتها.
ولهذا، فإن العرائش تحتاج اليوم إلى أكثر من بيانات وتصريحات: تحتاج إلى كشف واضح لحصيلة المراقبة، وتوضيح مصير الملفات المثارة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وفق القانون.
فإذا كانت مراقبة الجماعات قد دخلت فعلاً مرحلة «العطلة المفتوحة»، فالمطلوب أن يعرف المواطن من قرر العطلة، ولماذا، ومتى ستنتهي؟
أما إذا كانت المساطر تُطبق بشكل طبيعي، فليكن ذلك واضحاً بالأرقام والقرارات والنتائج، لأن أفضل رد على الشكوك ليس الصمت، بل الشفافية.