لو كان ثمة خيط ناظم لمجريات ما وقع بالمغرب أواخر العام 2015، فسيكون حتما بصدر لافتة الاحتجاج.
الاحتجاج على ما آلت إليه الأوضاع العامة، والاحتجاج على ما هو مزمع اعتماده من قرارات قد تزيد ذات الأوضاع تأزما، والشرائح الاجتماعية التي تطالها هشاشة وسوء حال.
والواقع أن الذي باشرته الحكومة الحالية، حكومة العدالة والتنمية، من سياسات وما سنته من قرارات منذ أكثر من أربع سنوات من تنصيبها، لم ينعكس كثيرا على الحياة اليومية للأفراد والجماعات، حتى وإن كان له انعكاس قوي على مستوى الترتيبات المالية الكبرى، ومستوى ضبط التوازنات الماكرو/اقتصادية الحساسة.
ومع أن لهيب هذه السياسات العامة قد طال شرائح اجتماعية واسعة وطيلة هذه السنوات الأربع، فإن “إعادة الثقة” في مكونات الأغلبية الحكومية بالانتخابات الجماعية والجهوية لصيف العام 2015، جعل ذات الأغلبية تنتشي بالنصر وتعتبره شيكا على بياض للاستمرار، فتمادت في اتخاذ ما يعن لها من قرارات، غير عابئة بتبعات ذلك بميزان الاحتقان الاقتصادي والتذمر الاجتماعي، وانسداد الأفق أمام معارضات هشة لم يبق لها من وظيفة المعارضة إلا الاسم.
بيد أن الذي لم يخلد بحسبان الحكومة هو أن ثمة أشكالا احتجاجية باتت تتجاوز المعارضات التقليدية، وقد يكون لضغطها على أرض الواقع وقع كبير، لا تستطيع الحكومة تجاهله أو التبرم عنه، فما بالك غض الطرف عن تداعياته:
نظام التقاعد
لم تركب الحكومة ناصية هذا الأسلوب مع التنسيقيات فحسب، بل عمدت إلى نهجه من جديد بوجه النقابات، لا سيما في مشروع إصلاح نظام التقاعد.
يتعلق الأمر هنا بمنظومة في التقاعد متهالكة ومفلسة، جراء سنين طويلة من تعرضها لعمليات الفساد والنهب التي تشير المعطيات بخصوصها ألا سبيل لصرف معاشات الموظفين في أفق العام 2020 لو استمر النزيف دون معالجة مستعجلة.
ومع أن بعض دورات الحوار الاجتماعي قد تمت بين النقابات المعنية والحكومة لإخراج صيغ في الإصلاح متوافق عليها، فإن تباين مواقف طرفي المعادلة دفع برئيس الحكومة إلى أن يصوغ مشروعا أحاديا اعتمدته حكومته على عجل، وتعتزم إرساله لمجلس النواب بغرض مناقشته والتصديق عليه.
بهذه القضية الإشكالية أيضا يبدو أن الحكومة غير مبالية بتهديد النقابات بتنفيذ إضرابات لمواجهة المشروع، وغير آبهة بتصعيد الموقف لدرجة تهديد النقابات إياها باحتمال مقاضاة الحكومة في المحافل الدولية ذات الاختصاص.
تربة الاحتقان مواتية هنا أيضا لإفراز تشنجات قد لا يسلم منها موظفو الإدارات العمومية ولا نسيج الاستثمار والمال والأعمال.
لو أضفنا إلى كل ما سبق، المطالب الشعبية المتزايدة بجهة إلغاء معاشات الوزراء ونواب البرلمان، واستفزاز بعض الوزراء في خرجات إعلامية غير مدروسة، لو أضفنا كل ذلك إلى بعضه البعض، لتبينت لنا بجلاء الهندسة العامة للمشهد الاحتجاجي في المغرب للعام 2016، لا سيما وأن نهاية هذه السنة تتزامن مع تنظيم انتخابات تشريعية لا يستطيع المرء التكهن بطبيعة ومكونات مخرجاتها.
مناخ الديمقراطية
لقائل أن يقول: بصرف النظر عن صواب هذه المطالب من عدمه، أفلا يدل هذا الجو العام على سيادة مناخ من الديمقراطية تتدافع من بين ظهرانيها الأطراف كلها وبكل ما أوتيت من قوة، فتحصد انتصارات أو تتكبد هزائم حسب موازين القوى القائمة؟
أليست هذه هي الصورة التي نراها بالدول الديمقراطية حيث الحكومة تحكم والمعارضة تعارض والشارع ينتصر بالمحصلة لهذه الجهة أو تلك؟ أليس هذا هو ما يجري بالمغرب؟
قد نتلمس لهذا القول بعضا من التفهم، إذ الحركات الاحتجاجية جزء من العملية الديمقراطية، كما أن وجود أحزاب ونقابات ومنظمات أهلية هو أيضا جزء من ذات العملية.
بيد أن ذات القول لا يستقيم إلا بسياق معين، ولا يمكن له أن يقوم -فما بالك أن يستقيم- في سياق مختلف آخر:
– أولا لأن “الجو الديمقراطي” الذي نعيشه في المغرب مختلف تماما عما تعيشه الدول الديمقراطية العريقة.
المشهد عندنا محتقن لأن القرارات الكبرى لا تتخذ دائما من بين ظهراني الحكومة، بل من لدن مستويات أخرى لا تمثل الحكومة بوجهها إلا أداة الإخراج والتصريف على أرض الواقع.
فما معنى مثلا أن يتخذ وزير التربية الوطنية قرارا بفرنسة بعض المواد العلمية، وينهال عليه رئيس الحكومة تأنيبا على القرار وبغرفة البرلمان دون أن يعمد الوزير إياه إلى سحبه، بل يتشدد في التوجيهات بخصوص تطبيقه بأدق تفاصيله؟ معناه أن القرار اتخذ بجهة ما، ولم يعمد وزير التربية الوطنية إلا على إخراجه حتى وإن ادعى رئيس الحكومة مناهضته له أمام الملأ.
– ثانيا لأن الآلية الديمقراطية في المغرب طالها العطب بقوة، ليس فقط بسبب ما أوردناه بالاعتبار الأول، ولكن أيضا لانقطاع سبل الحوار بين طرفي الآلية الأساسيين: الحكومة من جهة والفرقاء السياسيين والاجتماعيين من جهة أخرى.
ولعل عطب هذه الآلية متأت من ترهل أحزاب المعارضة وعدم قدرتها على استنبات مشاريع تقارع بها ما تأتي به الحكومة من مشاريع.
كما أن النقابات بدورها ترهلت ولم يعد لها من ناصية تمتطيها إلا ناصية الإضراب العام أو القطاعي، والذي لم يعد يسايره أحد لمحدودية نتائجه ولعدم قدرته على تجديد آليات فعله.
– ثالثا بسبب غياب النخب عن الساحة، وتراجع مصداقية بعض عناصر ما تبقى منها جراء انزوائهم أو استقطابهم من لدن أركان الدولة العميقة، أو اكتفائهم بمتابعة تموجات واقع لم يعد بإمكانهم فهمه، فما بالك اقتراح البدائل لتجاوزه.
ولذلك كله، فإننا نعتبر أن بروز هذه التنسيقيات إنما هو رد فعل طبيعي على ترهل كل هذه المستويات، بل ونتاج غياب المستويات الوسيطة التي تضمن السير العادي والسليم “للعبة الديمقراطية”.
لكن، من ذا الذي يضمن سلوك أو يتحمل مسؤولية تجاوز الجماهير المجندة من لدن التنسيقيات؟ أليس من المجازفة ترك الشارع “لتنظيمات” قد لا يشكك المرء في أحقية مطالبها ونظافة أيادي من يثوون خلفها، لكنه لا يستطيع التكهن بإمكانية انزلاقها وتحولها إلى أداة يذهب بجريرتها الأخضر واليابس؟
إننا هنا إنما ننبه إلى تداعيات الاحتقان.
.
.
ولا نحذر منه.
[gallery ids=”
يحي اليحياوي
كاتب وأكاديمي مغربي