حكومة تُكفر عن ذنبها، و شعب يتعافى من فوبيا الاحتجاج.

اشقندي مراد

لا يمكن تصنيف حراك الأساتذة المتدربين و قبلهم الأطباء و القضاة  بالمغرب،  و سقف الشعارات التي  رفعت خلال هذا الحراك  تعزف على أوتار الظلم و القهر في هذا الوطن، إلا  كابتزازا للحكومة باسم الشعب، خصوصا إذا نظرنا إلى ما كان يُطرح في طاولة الحوار و الذي لا ينسجم مع ما يرفع من شعارات،  حوار كان خبزيا حول التوظيف و الأجور و مطالب الخاصة دون العامة من الشعب كاسقاط المرسومين أو اسقاط الخدمة الاجبارية، ثورة الأساتذة كسابقتها للأطباء ستُسقط الشعارات الشعبية  بمجرد ضمان الخبز و الوظيفة،  لكن ستظهر بعدها حناجر تصدح طلبا للحرية و العدالة الاجتماعية، رفع الأطباء أثناء احتجاجاتهم كل الشعارات كما يفعل الأساتذة الآن، لكن لم يطرحوا على طاولة المفاوضات إلا ما يعنيهم و قد لا يعني الشعب، الذي رفعوا سقف شعاراتهم باسمه، فتضامن معهم عفويا لاحساسه بالظلم الذي استأنس به، و لم يعد يخنه احساسه بشأنه، كما خانه وفاء المظلمون أنفسهم،  لكن رغم ذلك، يبقى هذا الشعب الرابح الكبير من هذه الموجة التي حملت نسائم للحرية أرعبته سابقا و أصابته بفوبيا الاحتجاج.

هل العدالة و التنمية تكفر عن ذنبها و تعيد للشعب عافيته من هذه الفوبيا، بعد إحساس بالذنب عن الاحباط الذي سببته له خطاباتها الغامضة،  خطابات اليأس و الوهن و قلة الحيلة ،  باسم التماسيح و العفاريت تارة، و باسم لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا تارة أخرى، هل تجرأت على كل هذا الظلم لغاية في نفس يعقوب؟

ليس الحرمان أو الظلم دائما عنوانا للحقد أو الكراهية، قد يكون عكس ذلك و يكون دليلا على الحب، إذا أريد به تعليم شيء ما للمظلوم أقلها عدم السكوت على الظلم و المطالبة بالحقوق.
فكثيرا ما يقسوا الآباء على أبناءهم لكن ليس من كرهم بل من فرط حبهم، ومن خشيتهم عليهم من قساوة مستقبل مجهول.

هل تخشى  العدالة و التنمية على الشعب من مجهول آت و تهيئه لمواجهته بإعادة الشرعية للإحتجاج،  و العافية ل “كبدة الاحتجاج” بعد أن كبرت لدينا هذه “الكبدة” من هول ما جره الاحتجاج على أهله في بلدان الربيع العربي.
؟

هل أصبحت تؤمن أن أطر الغد من قضاة و أطباء و أساتذة، في حاجة إلى التدريب على الإحتجاج و تذوق طعم الظلم  للإيمان بقضايا هذا الشعب، أكثر من حاجتهم  لتكوينات مهنية لم تغير شيء من حال البلاد و العباد  منذ أمد بعيد، تكوينات وتدريبات لم تُنتج سوى فئة خبزية خانعة تكرس منطق الطبقية، و تفقد الارتباط بهموم الشعب بمجرد وظيفة و بطاقة بنكية تظن أنها جردتها من صفة القهر، أساتذة يرتدون ربطات العنق حين توجههم إلى المدارس الخصوصية، يبدعون و يعطون كل ما لديهم  لنخبة ستحكم أبناءهم و أبناء المقهورين فيما بعد، و يتذمرون في أقسام أبناء الشعب يبيعونهم اليأس و الوهم، و أطباء يساومون على الحياة و الآلام، يتذرعون بأن مستشفيات الدولة لا تصلح إلا للموت، و أن فرصتك للنجاة أوفر في مصحات خصوصية جهزها أصحابها من الريع، بما عزجت عنه دولة “الفوسفاط و جوج بحورة”.
 

ما نوع الحكومة القادمة التي ستقبل بتوظيف جيل من الأطر تكوّن في الوقفات و الاعتصامات، و لم تعد ترهبه عصى المخزن، حفظ الشعارات و آمن برسائلها الواضحة و المشفرة، هل ستثق بجيل مثقف ثائر شكل الاشتثناء في الحركات الاحتجاجية الفئوية و الشعبية، التي أصبحت فعاليتها تظهر بعد تسوية ملف الأطباء و بعده ربما الأساتذة و الآتي أكبر، فمنذ أن هبت نسائم الربيع على مغربنا أُصبنا جميعا بحساسية  حبوب اللقاح التي تناثرت ذات ربيع طلبا لازهار زهرة الحرية، فلم يعد أحد يهتم للزهور أكثر من اهتمامه لحساسيته، حساسية يبدوا أن البعض أصبح يتعافى منها و البعض الآخر يسوق مسكنات لها.
     

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد