مليارات الدراهم خسائر المغرب جراء غياب روح المواطنة..!

عبد اللطيف مجدوب

المواطنة والديمقراطية

موضوع المواطنة citizenship ؛ تناولته ؛ ومنذ إعلان الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان ؛ دراسات أكاديمية وحقوقية بحتة لتستخلص أن بنية المجتمع الحداثي وتماسكه يقتضي إيجاد صمام أمان الذي هو روح المواطنة ، وهو بمثابة إسمنت مسلح يربط بين جميع مكوناته .
كما أثبتت دراسات سوسيوقتصادية ، ذات طابع ميداني صرف أن هناك علاقة جدلية كبيرة بين المواطنة والديمقراطية ؛ فكلما كان هناك اعتراف وتبني لحقوق المواطن من قبل مجتمع ما ، كلما أمكن إيجاد مناخ للديمقراطية ، وبالتالي وجود تنمية حقيقية .
والعكس صحيح .
على أن غياب روح هذه المواطنة ؛ لدى الفرد ؛ وبالمعنى الذي يكفل له العيش الكريم ، ويشركه كعنصر فاعل في التنمية البشرية ؛ له عواقب وخيمة .
سنحاول ؛ في هذه الورقة ؛ تشخيص بعض مظاهرها ؛ لدى الفرد والمجتمع عامة ؛ والخسائر المادية والأدبية الجسيمة المترتبة عنها .

وفي سبرلأعماق حياتنا اليومية من خلال استعمالاتنا ؛ كأفراد ومجتمع ؛ للمرافق الاجتماعية كالتعليم والصحة .
.
.
سنقف على شعور عارم بالتذمر لدى شريحة كبيرة من مستعملي هذه المرافق ؛ يتحول ببعضهم إلى عدوانية سافرة تجاه الوطن ” الدولة ، المخزن .
.
” ومؤسساته وممتلكاته ، تتجلى في أنماط سلوكية مخربة ، سنعرض لها تباعا فيما يلي :
في مجال التعليم : فعلى مستوى التجهيز ؛ هناك وسائل وأجهزة ومعدات عديدة وبنفقات مليارات الدراهم دب إليها العطب والشلل ؛ في ضوء غياب شبه تام لأجهزة الصيانة والترميم ، وكأن هذه الأخيرة هي الأخرى ؛ نخرتها ” سوسة ” ضعف أو انعدام روح المواطنة .
.
.
ولسان حالها يقول : ” فليذهب الكل إلى الجحيم مادام لا ناقة لي ولا جمل فيها ” ! أو ” ما دامت الدولة لا تكترث لحاجياتي .
.
” .
.
.
الخ .
.
فأجهزة الحواسيب والاستنساخ ؛ والتي تعد بعشرات الملايين .
.
تحولت ؛ في ظرف وجيز وقياسي ؛ إلى حظيرة المتلاشيات ! كما أن واقع مختبراتنا التربوية ؛ في المؤسسات التعليمية ؛ يشهد على عطل شبه مشلول لأجهزة ومعدات ووسائل تعليمية ، ومختبراتية بتكلفة تكاد تتجاوز مليار من السنتيمات في كل مؤسسة .
.
كما أن تبعات انعدام هذه الروح تلقي بظلالها على سيارات الدولة التي لا تعيش ؛ في المتوسط ؛ أكثر من سبع سنوات .
.
.
حتى تنضم إلى” أسطول ” المتهالكات.

في مجال الصحة : إذا حاولنا تشخيص ومعاينة واقع تجهيز مستوصفاتنا ومستشفياتنا ، سنقف على خسائر تعد بعشرات المليارات من السنتيمات تطال العبثية بمستوى التجهيز والصيانة .
.
كان الأمر متعلقا بالمعدات أو وسائل التشخيص والإنجاد والإسعافات .
.
” كلش مدجدج ومخرخر من الداخل” وكأن أيادي مستعمليها هي أيادي وأذرع لماكينات فولاذية وليست بشرية!.

وقد نقف على خسائر أكثر فداحة مما يتصور المرء ؛ إذا نحن أجرينا مقطعا تشريحيا في كل المجالات القطاعية والخدماتية بمؤسسات الدولة ومكوناتها بكلفة مآت الملايير من الدراهم من التجهيزات والآليات والمعدات والوسائل ؛ أصيبت بالتلف في زمن قصير، قد لا يتجاوز ؛ في المتوسط ؛ خمس إلى ست سنوات .

روح التخريب

يواكبنا ؛ في حياتنا اليومية ؛ انعدام هذه الروح ” روح المواطنة ” لدى شرائح عريضة من المجتمع بمختلف مشاربه .
.
ففي القطارات ومحطاته يخجل المرء من نفسه إذا دخل دورة المياه ، حتى ولو كانت في الدرجة الأولى .
.
.
كيف لأناس ؛ وما أكثرهم يلوثون ؛ وفي أحيان كثيرة ؛ يمزقون ويعطلون أدوات وأجهزة معدة ؛ أساسا ؛ للسهر على راحتهم .

روح التخريب هذه ؛ عادة ؛ ما تقترن لدى الفرد بشعور ” عدم الملكية ” وهي رد فعل بشعور الإجهاز على كل شيء يقع تحت يده ما دام هذا ” الشيء ” غريبا عنه ولا يمت إليه بصلة أو لا تربطه به شراكة .
.
.
حتى الشغل أو الوظيفة التي يزاولها تأخذ حصتها من هذه الروح المدمرة ” انعدام روح المواطنة وروح المسؤولية .
.
.
لذا نجد أعدادا غفيرة من الموظفين ؛ في القطاعين معا ؛ وخاصة القطاع العام ، لا يتجاوز حجم عمل الواحد منهم %60 من الحجم المطلوب .
هذا على مستوى الكم ، أما على مستوى الكيف و” الجودة ” والإتقان فحدث ولا حرج ، وقد لا نبالغ إذا قلنا بأنها لا تتجاوز ؛ في أحسن الظروف ؛ % 20 من درجة الإتقان والجودة المنتظرة ! .
وهذه ” السوسة ” ملحوظة في وثائقنا ومستنداتنا الإدارية وكذا تقاريرنا ، ومنجزاتنا عموما ، فالأخطاء والأعطاب واضحة وفي تزايد مستمر، حتى إن المواطن العادي الذي يريد اقتناء شقة سكنية ، لا بد له أن يضع في الاعتبار أن العيوب والشقوق ستزوره حتما في عقر داره ” الجديدة ” بعد حين!

الغش مرادف لانتفاء روح المواطنة

أما مرافقنا العمومية ؛ كالطرق والمعابر والقناطر ؛ فما زال لسان حال العموم يلهج بمقدرات المستعمر في متانة البناء والتشييد ، وأحيانا يبكي أمجادا ولت .
.
.
وإلا فما معنى أن تنهار قناطر ومعابر ومسالك طرقية صرفت عليها ملايين الملايين ، بنيت بالأمس القريب فقط ، في حين ظلت طرقات وقناطر ” الفرنسيس ” قائمة إلى اليوم !!.

نعم روح الغش قد تكون مرادفا لانعدام روح المواطنة المسؤولة .
.
فيقع البلد كله تحت طائلة النهب والسرقة والتخريب.
.
.
والتي تكلفه مليارات الدولارات ، تتجدد كل حين أشبه بسرطان لولبي ذي خراطيم متعددة تسكن في دواليب الدولة .
.
وتكلفتها المالية هذه قمينة بأن تواجه كل التحديات والصعوبات الاقتصادية التي يشتكي منها مغربنا .

غياب هذه الروح وتداعياتها

بيد أن جهاز المراقبة والزجر والمتابعة لدينا ؛ في ظروفنا الحالية ؛ ضعيف وقد يتعطل أو يتعذر أمام طوفان الفساد والتخريب الذي يضرب في كل اتجاه .
.
!
وعلينا ؛ والحالة هذه ؛ أن نكون واعين بنتائج انعدام هذه الروح ” روح المواطنة ” وما يستتبعها أحيانا ؛ من تطورات أخطر بكثير مما نتصور ؛ كأن نجد ” تيارا اجتماعيا أو عرقيا ” من الدعاة للحركات الانفصالية .
.
وهي موجودة في أنحاء كثيرة من العالم ، والمغرب جزء منه ، تحت مسميات وذرائع عديدة ” كعدم الاستفادة من خيرات البلاد ” .
.
” والتقاسم المنحاز لجهة دون أخرى ” ، ” واللاشراكة في تدبير الشأن العام ” ، ” وشعور التهميش ” ، ” والطبقية المفرطة أو الفوارق الاجتاعية الفجة ” ، ” ومصادرة الحقوق والحريات ” أو وجود مواطنة تمييزية وبالدرجات : مواطن من الدرجة الأولى ، ومواطن من الدرجة السفلى ‍‌‍‍ (1).
.
.
وهي كلها ؛ في الأخير؛ مسميات ومواقف ترضع من ثدي واحد هو انعدام روح المواطنة .

وقد وقفت العديد من الديمقراطيات الغربية على أهمية عنصر المواطنة والمواطنة المسؤولة ؛ من خلال دراسات وأبحاث جد معمقة مدعمة بمعاينات وتجارب ميدانية استغرقت سنوات ؛ لتخلص إلى نتائج هامة ، كانت الحجر الأساس في إنشاء جملة من البرامج والأنشطة والممارسات الحقوقية ؛ سعيا منها ؛ إلى توثيق صلة المواطن ببلده وتعميقها ، ليس بالشعارات الجوفاء أو بعض بنود المواطنة الطنانة التي تطبع ؛ عادة ؛ بعض الدساتير في الدول المتخلفة ، ولكن بمنح الفرد رزمة من الحقوق في شتى المجالات ، كشريك وفاعل في المجتمع ، حتى ولو كان هذا الفرد يحمل جنسية أجنبية !! .
.
وذلك لتحسيسه بروح المواطنة وما يترتب عنها من تنمية بشرية واقتصادية مستدامة .

غياب روح المواطنة بوابة إلى الإرهاب

هناك سلاح ناعم أشد فتكا من النووي ، يتلصص أصحابه داخل مؤسسات الدولة ودهاليزها ليفاوضوا ، أو بالأحرى كبراء المسؤولين حول صفقات جد مغرية ؛ يسيل لها اللعاب مقابل وضع أيديهم على ملفات أو أجهزة أو منظومة أسرار بالغة الحساسية .
مثل هذه المواقف تعد بحق اختبارا عسيرا لروح مواطنة المسؤول ، ما إذا كانت قوية متجذرة في صاحبها أو هشة قابلة للمساومة .

ولعل مثل هذا السلاح الفتاك ـ الإغراء المادي ـ قد يكون وراء وقوع عدة حوادث إرهابية شاهدها العالم مؤخرا كحادث انفجار الطائرة المصرية بشرم الشيخ ، وحادث فندق بتونس ، والطائرة الماليزية .
.
.
على أن مثل هذه الحوادث وغيرها قد تكون واردة في بعض الدول التي تعاني من ضعف أو انتفاء روح المواطنة داخل مؤسساتها ، فيسهل اختراقها من قبل هذا الفيروس الإرهابي .

نماذج لامواطنة قريبة من خيانة الوطن

لا يمكن ؛ في هذه العجالة ؛ تعداد كل أشكال اللامواطنة التي تعيش في المجتمع أشبه بسرطان ؛ يدمر مؤهلاتها ومواردها
الاقتصادية .
فقط سنكتفي بالتأشير على نماذج منها فيما يلي :
* متملصون من أداء الضرائب بالمليارات ؛ في قطاعات حيوية كالصيد البحري ، ومقالع الرمال ، واستيراد السلع ؛
* ناهبون ومهربون للمال العام ، ولا يستثمرون منه في بلدهم المغرب ولو سنتيما واحدا ؛
* عقد صفقات وهمية بعشرات المليارات في البناء والتجهيز ، ومكاتب دراسات المشاريع ؛
* غض الطرف عن ملفات فساد من فئة الحجم الثقيل ؛
* غض الطرف عن مؤامرة تحاك ضد الوطن .

هامش (1)
“.
.
.
As a matter of fact , the concept of citizenship goes back to the ancient city-states where the population was divided into two classes – the citizens and the slaves .
The citizens enjoyed both civil and political rights .
The directly or indirectly participate in all the functions of the civil and political life of the state.
.
.
” Political Science Notes By Pooja Essay
” .
.
.
الواقع أن مفهوم المواطنة يعود إلى دول المدن القديمة حيث كان السكان منقسمين إلى فئتين : المواطنين والعبيد ، فالمواطنون يتمتعون بالحقوق المدنية والسياسية على حد سواء ؛ يشاركون بشكل مباشر أو غير مباشر في جميع الوظائف المدنية والسياسية في الدولة .
.
.
“

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد