على هامش الاعتداءات التي طالت رجال التعليم… المدرسة بين الأمس واليوم!!

140291
يعتبر التعليم ذلك المؤشر الذي يعبر بصورة حقيقية عن تقدم الأمم أو تخلفها، والتاريخ يحدثنا عن نهضة بعض المجتمعات و تحولها من مجتمع تقليدي متخلف إلى مجتمع حداثي قوي ومتحضر بفضل تحويل نظرتها للتنمية إلى النهوض بالتعليم في جل مكوناته: من موارده البشرية مرورا بمناهجه و طرائقه البيداغوجية وببنيته التحتية والتربوية وانتهاء بالعناية بالتلميذ وشخصيته في أبعادها المعرفية والجسدية والنفسية.

و لعل أمثلة الدول التي ينطبق عليها هذا التحول كثيرة كاليابان وفلندا والصين وبعض دول شرق المتوسط.

وفي بلدنا المغرب و في سبعينيات القرن الماضي وما قبلها بقليل كانت المدرسة المغربية بحق ذلك المشتل الذي ينتج القيم وينتج الرجال الذين صنعوا التاريخ، تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال، حيث كانت الدولة المغربية تلجأ إلى المدرسة لاختيار أبطالها الرياضيين وأشخاص أدوار الركح في المسرح ومواهب الأغنية المغربية والأطر العليا من مهندسين وأطباء ومفكرين ومنظرين ومدافعين عن أمن الوطن واستقراره والحفاظ على وحدته الترابية.

امتد هذا الأمر إلى الجامعة المغربية لتصبح مفعمة بالنقاش الهادف والراقي من خلال الحلقيات التي كانت تنظم في الحرم الجامعي حول مواضيع سياسية واجتماعية وعمالية.

إن السر في كل ما حققته المدرسة المغربية يكمن في ما حظي به الأستاذ من تقدير وسط المجتمع حيث كان، المعلم و الأب و الفقيه و القاضي في مجتمعه الصغير، كما يرجع السر في ذلك أيضا إلى التناغم الكبير بين المؤسسات التربوية التي يمر منها التلميذ من أسرة إلى مسجد و شارع و مدرسة وثانوية و جامعة و حزب و معهد و جمعية و نقابة.

أدركت الدولة في سبعينيات القرن الماضي الخطر الذي يتهددها و خصوصا من طرف تلاميذ الثانويات و طلاب الجامعة الذين أصبحوا يشكلون مصدر قلق متزايد لها بفعل وعيهم المتزايد و ثراء فكرهم الذي ترجم في غالب الأحيان إلى نضالات تلاميذية و طلابية حول مطالب اجتماعية و سياسية، حيث يحدثنا التاريخ عن السجون التي كانت تعج بمعتقلي الرأي و المحاكمات السياسية الكبرى التي حوكم فيها أكبر المعارضين و خاصة في المحاكمة الكبرى بمراكش أوائل السبعينيات، حينها أصبحت الدولة تفكر بعمق عن إصلاح لتدمير المدرسة و الجامعة المغربية، فكان أول عمل قامت به هو تبخيس صورة المعلم وسط المجتمع و جعله أضحوكة المجتمع من خلال إطلاق العنان للنكت الساخرة حوله فكان ذلك الإنسان الشحيح – الشاذ – الطاشرون الكوعليم .
.
.
ومن خلال ضرب أجرته التي كانت حينها أفضل من راتب القاضي و القائد و بالتالي تحويل صورته داخل المجتمع التي كانت ترمز للهيبة و التقدير و الاحترام إلى صورة نفور ونبذ واشمئزاز.

كما برز دور الدولة في ضرب المدرسة المغربية من خلال سلسلة متوالية للإصلاح بدءا بالحصار المفروض على مادة الفلسفة وأساتذتها و دمج أسلاك الثانوي الإعدادي والتأهيلي و تغيير نظام الامتحانات و تغيير نمط الجامعة و تغيير المناهج و طرائق التدريس و انتهاء بما عرفته الألفية الثالثة من ميثاق وطني للتربية و التكوين و برنامج استعجالي و مشاريع مندمجة لإصلاح المنظومة التربوية و ضرب دور الأسرة في التوعية و الركوب الخاطئ على حقوق الإنسان، هذه السلسلة التي كان يوازيها ضرب دور الأستاذ و التقليل من شأنه.

بهذه البرامج الحاملة في ظاهرها للإصلاح و المبطنة بالتدمير ، نجحت الدولة بشكل كبير في تكسير دور المدرسة في بناء و تطوير المجتمع فكان نتاج ذلك ما تعيشه اليوم من انحسار لدورها في إنتاج القيم و دورها المجتمعي في التنمية بشكل عام.

فإذا كانت المدرسة المغربية في سبعينيات القرن الماضي تنتج ذلك المواطن الصالح، كما تنتج ذلك المعتقل لأسباب مشرفة، فإنها تنتج اليوم ذلك المواطن الحامل في بعض الأحيان للمعارف والذي لا يعرف بالمقابل للحياة أي معنى، فإنها تنتج كذلك المساجين بسبب ما يحدثه لهم فراغهم الفكري من تبنيهم لكل أنواع التطرف و العنف و الإرهاب و تعاطيهم لكل أنواع الممنوعات من مخدرات و كحول و اغتصاب وسرقة.
.
.

إن ما يعيشه المغرب هذه الأيام من نقاش حول الفيديو الذي انتشر عبر المواقع الإلكترونية و مواقع التواصل الاجتماعي لتلميذ قاصر و هو يضرب و يسحل أستاذه بورزازات لدليل على المنحى التراجعي لدور المدرسة في الحفاظ على القيم و يضرب ما تتبجح به الدولة من إصلاح كلف خزينتها المليارات من الدراهم، و يدحض بشكل قاطع ما تروجه المؤسسات و المديريات و الأكاديميات والوزارة في مجال تفعيلها لأدوار الحياة المدرسية عبر ما ينجز داخل الأندية التربوية التي أصبح عملها مناسباتيا، كما يدحض نتائج مجهوداتها في محاربة العنف عبر مراكز الاستماع.

ولعل هذا الفيديو هو واحد من بين الفيديوهات التي توثق لأحداث العنف التي شهدتها و تشهدها المدارس و الجامعات المغربية في هذه السنين الأخيرة، مما يسائل المجتمع بكل أطيافه السياسية و الاجتماعية و الثقافية و النقابية و الحزبية عن الآليات الكفيلة برد الاعتبار للمدرس و المدرسة على السواء و جعلها فعلا تلك المؤسسة المنتجة للقيم الإيجابية ورافعة حقيقية للتنمية؟
ومتى تنتبه الدولة بجميع مكوناتها إلى كون أهم مدخل لإصلاح ما تعيشه المدرسة المغربية من تراجع خطير يكبل التنمية، هو صون كرامة الأستاذ داخل المدرسة و في المجتمع؟!

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد