لماذا استحضرت أحزاب الأغلبية مصلحة التلاميذ في إضرابات الأساتذة ونستها في الاختلالات الكبرى لوزارة التعليم؟
محمد جمال بن عياد ـ الرباط
عقدت أحزاب الأغلبية الحكومية اجتماعا يوم الأربعاء27 مارس الجاري، خصص للتداول في ملف أطر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين (هيأة التدريس)، وقد أصدرت بيانا تدعو من خلاله الأساتذة المنقطعين عن العمل إلى “تغليب صوت الحكمة والعقل والضمير المهني واستحضار مصلحة التلاميذ والتلميذات والمصلحة العليا للوطن”.
وتساءل المصدر عن دواعي عدم دعوة أحزاب الأغلبية الحكومية إلى استحضار مصلحة المتعلمين والمصلحة العليا للوطن، خلال الاختلالات الكبرى التي عرفها القطاع منذ ميثاق التربية والتكوين إلى غاية اليوم؟
إن المصلحة العليا للوطن هي الركيزة الأولى لكل مواطن مهما كان موقعه أو وظيفته أو مهنته، وليست مختصرة على جهة معينة أو فئة من الشعب، والمصلحة العليا للوطن ينبغي أن تكون شاملة متعددة الغايات متنوعة الوسائل، فكل شيء في الدولة مرتبط بأهمية تحقيق تلك الغايات الملقاة على عاتق صناع القرار وعملية صنعهم للسياسات العامة.
على هذا الأساس فإن اتجاه المصلحة العليا للوطن، لا ينبغي أن يكون عبثيا غير مدروس بدقة من حيث تحديد المشاكل وأهميتها ووضع الحلول والبدائل المتاحة ومن ثم إصدار قرار ملائم والذي يتناسب مع أهمية وأولوية الحاجة العامة في المجتمع، أي هنا لا مجال للمغامرة في إصدار القرارات، فإن أي أغلبية حكومية تمتلك برنامج “مقدس” دون تحقيق المصلحة العليا للوطن فهي ليست حكومة مواطنة إنما هي “تجمع فوضوي وعبثي” وذو مصالح شخصية وذاتية.
فعندما تجد قطاعا حكوميا مثل قطاع التربية الوطنية وفيه كل هذه المشاكل، فلتدرك يقينا أنه لا وجود لأغلبية حكومية عمليا أو مسؤولين مباشرين على القطاع يعملون بالشكل النظامي المطلوب، لسبب بسيط وهو إنها لم تبنى على أساس صحيح وهنا أقصد “أساس تحقيق المصلحة العليا للوطن ” وبالنتيجة لم يستطع هؤلاء المسؤولين من تحقيق مصالح واضحة إلى هذا القطاع الحيوي، بل كان همهم الأكبر تحقيق مصالحهم وغاياتهم الشخصية دون تحقيق المصالح الإستراتيجية للقطاع، ومن هو موجود فعلا في موقع المسؤولية اليوم بمختلف المستويات، فإن أغلبهم يحملون شعارات الإصلاح وتجويد المدرسة العمومية، لكن في الواقع لم يكونوا جديرين في تحقيق ولو حتى جزء بسيط من ما يصدرونه من كتب (الارتقاء بالحكامة الإدارية، ميثاق المسؤولية،…)، وبالتالي فهم لا يعملون لأجل تحقيق مصلحة عامة بل يسعون فقط لتجميع التعويضات والامتيازات بوسائلهم الخاصة(43 مليار البرنامج الاستعجالي 2009/2012).
وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وأكثر من سبع سنوات على البرنامج الاستعجالي، وأربع سنوات على انطلاق الرؤية الاستراتيجية، يتضح فعليا بأن تلك هي مشكلة قطاع التعليم، ذلك الخطأ في السلوك التدبيري والتسييري البعيد عن نظرية مصلحة التلاميذ والمصلحة العليا للوطن، والدليل على ذلك هو الواقع المأساوي الذي تعيشه منظومة التربية والتكوين في زمن دستور 2011.
ولذلك كان من الأجدر أن يتم التعرف على الأسباب الرئيسة لتحقيق المصلحة العليا للوطن، حيث يجب أن تبنى على أفكار ومبادئ ثابتة ولا تحيد عنها وإلا فإنها ستكون مصالح شخصية!!
والمقصود هي المروءة هي القيم هي تحقيق النتائج الجيدة والوصول للغاية وتحقيق المصلحة العليا للوطن بعدة وسائل قانونية، فمتى استطيع أن توجد الوسيلة المناسبة لأجل الرقي والسعي لتجويد الفعل التربوي فهذا هو الهدف الصحيح وذلك المبدأ الأسمى في الخيارات الاستراتيجية، وليس التعسف والتسلط على الآخرين ومحاولة تقديم أكباش فداء لتغطي عن أخطاء وفساد البعض الأخر.
لكن بالمحصلة يجب أن تكون الخيارات الاستراتيجية في مجملها وسائل لأجل تحقيق المصلحة العليا للوطن وليس تحقيق مصالح “ثلثة” من المسؤولين دون غيرهم وإلا إنها ستكون اختيارات استراتيجية عبثية فارغة أو شعارات وهمية تستنزف قدرات البلاد من أجل مجموعة ضيقة قد لا يتعدى المنتفعين من تحقيقها العشرات من مجموع سكان وطن بأكمله.
والخطأ الجسيم هو في اختيار وإسناد مناصب المسؤولية واستمرار نخبة من المسؤولين المركزيين والجهويين والإقليميين في التدبير والتسيير رغم الإخلال بالالتزامات المهنية والتورط في الفساد لعشرات السنين لأجل مصلحتهم، ويتعاقبون على المسؤولية دون أن يتعاقبون على تحيق مصلحة التلاميذ، فاستنزفت الموارد وأفسدت نفسية كثير من رجال ونساء التعليم منذ فشل ميثاق التربية والتكوين، وهلكت المدرسة العمومية.