دور الأمومة بميدلت.. مشاريع طموحة تعاني من سوء التدبير وضعف الخدمات

محمد بوبيزة – ميدلت
رغم الميزانيات الضخمة التي رُصدت لمشاريع دور الأمومة بإقليم ميدلت، ورغم الأهداف النبيلة التي قامت عليها، فإن واقع هذه المراكز لا يعكس الطموحات التي بُنيت من أجلها.
فقد كان من المفترض أن تسهم هذه الدور في التخفيف من معاناة النساء الحوامل، خاصة في المناطق القروية، عبر توفير خدمات صحية متكاملة تضمن لهن المتابعة الطبية اللازمة قبل وأثناء وبعد الولادة، إلا أن الواقع الحالي يكشف عن العديد من الاختلالات التي تجعل هذه المشاريع بعيدة عن تحقيق أهدافها.
مشاريع بموازنات ضخمة ومردودية ضعيفة
منذ إحداث دور الأمومة في عدة مناطق بإقليم ميدلت، مثل كرامة، إملشيل، بومية، وآيتزر، استبشرت الساكنة خيرًا بتحسن الخدمات الصحية الموجهة للأمهات.
لكن سرعان ما تبددت هذه الآمال أمام جملة من المشاكل، أبرزها غياب الأطر الصحية القارة، نقص الأدوية، وضعف الموارد البشرية، مما أثر سلبًا على الخدمات المقدمة.
وقد عبرت فعاليات جمعوية ومستشارون جماعيون عن استغرابهم من تصريحات بعض المسؤولين الذين يسوقون صورة وردية عن هذه المشاريع، معتبرين أن نجاحها يعود للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية فقط، دون الإشارة إلى باقي الشركاء كالإنعاش الوطني، وزارة الصحة، الجماعات الترابية، والجمعيات المسيرة التي تتولى عمليات التسيير وتوفير المستخدمين مثل الحراس، السائقين، وعمال النظافة.
ضعف الخدمات ومعاناة النساء القرويات
رغم مرور سنوات على إنشاء هذه المراكز، لا تزال النساء الحوامل في المناطق القروية يعانين من صعوبات كبيرة، حيث تغيب المتابعة الصحية اللازمة، وتنعدم برامج التوعية التي يفترض أن تقدمها هذه الدور، مثل التثقيف الصحي حول الرضاعة الطبيعية، التغذية المتوازنة، والتخطيط العائلي.
كما أن نقص سيارات الإسعاف والمرافق الطبية الملائمة يزيد من تعقيد الوضع، مما يجعل بعض الحالات الخطيرة تضطر إلى التنقل لمسافات طويلة للوصول إلى مستشفيات مجهزة.
إشكاليات التسيير والريع الجمعوي
من بين الإشكاليات الكبرى التي تعاني منها هذه المشاريع، طريقة تسييرها التي تخضع أحيانًا لمعايير الولاء السياسي بدل الكفاءة.
إذ تُمنح مسؤولية إدارة بعض هذه الدور لجمعيات تم إنشاؤها بشكل مستعجل فقط لضمان حصة من الدعم، مما يفتح الباب أمام ما يمكن وصفه بـ”الريع الجمعوي”، حيث تغيب المحاسبة والشفافية في التدبير.
كما أن غياب المتابعة والمراقبة الجادة من طرف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وغياب معايير واضحة لاختيار الجمعيات المسيرة، أدى إلى ضعف في الأداء، حيث يتم التركيز على صرف الميزانيات أكثر من تحسين الخدمات.
مساءلة المسؤولين ومطلب الإصلاح
في ظل هذا الواقع، يطالب فاعلون حقوقيون بضرورة إعادة النظر في طريقة تدبير دور الأمومة بإقليم ميدلت، من خلال ضمان وجود أطر طبية قارة ومؤهلة في هذه المراكز، توفير الموارد المالية الكافية لتسييرها وضمان استمراريتها، وضع معايير شفافة ونزيهة لاختيار الجمعيات المسيرة، بعيدًا عن منطق الولاءات وتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة لضمان تقديم خدمات ذات جودة عالية.
إن بناء هذه المراكز بميزانيات ضخمة لا يكفي لتحقيق التنمية الصحية المرجوة، بل يجب أن يقترن ذلك بتدبير فعّال ومتابعة مستمرة لضمان أن تصل الخدمات إلى الفئات المستهدفة، وأن تحقق هذه المشاريع الغاية التي أنشئت من أجلها.
فهل ستتحرك الجهات الوصية لتصحيح المسار، أم ستظل هذه الدور مجرد مشاريع تُرفع فيها الشعارات دون أثر حقيقي على أرض الواقع؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد