هبة زووم – متابعات
في مشهد إنساني مروّع يعيد إلى الأذهان أحلك فصول الحصار والتجويع الممنهج، تواصل آلة القتل الإسرائيلية ارتكاب المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وسط تفاقم كارثي للأوضاع الإنسانية التي بلغت حدّ المجاعة، والتي أودت، خلال الساعات القليلة الماضية، بحياة 20 فلسطينيًا، وفق ما أعلنت وزارة الصحة في القطاع.
الجريمة تتجاوز حدود الصمت. فقد استُشهد 95 شخصًا إضافيًا خلال محاولتهم الحصول على ما تبقى من مساعدات في مراكز توزيع المعونة الأمريكية، لتكتمل فصول المأساة التي لا تجد من يوقفها أو حتى يدينها بوضوح في المحافل الدولية. الجوع بات سلاحًا إسرائيليًا إضافيًا، يُستخدم بلا رادع ولا خجل.
وبحسب المدير العام لوزارة الصحة بغزة، الدكتور منير البرش، فإن الحصار التام ومنع دخول المساعدات منذ شهر مارس الماضي، هو السبب المباشر في هذه الوفيات. في الوقت نفسه، أطلقت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) نداءات وصفتها بـ”اليائسة”، مؤكدة أن موظفيها داخل القطاع باتوا يعانون الجوع إلى جانب السكان، وأن أسعار المواد الغذائية ارتفعت إلى أربعين ضعفًا، وهو ما يجعل شراء الطعام مهمة مستحيلة في واقع اقتصادي مدمر.
التقارير الصادرة عن منظمات دولية وحقوقية تعزز من عمق المأساة، إذ أعربت 25 دولة ومنظمة – من بينها بريطانيا، فرنسا، وكندا – عن قلقها العميق من “تقطير” المساعدات الإنسانية، ومن استمرار قتل المدنيين بطرق وصفتها بـ”غير إنسانية”. إلا أن بيانات التنديد لم تعد تُجدي، بل تحوّلت إلى واجهة دبلوماسية تبريرية تخفي عجزًا أخلاقيًا وازدواجية مقيتة في المعايير.
إن ما يحدث في غزة لم يعد مجرد “أزمة إنسانية”، بل جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، تنفذ على مرأى ومسمع من العالم، بينما تُخنق الضحايا بلا طعام أو دواء، وتُدفن آمال الأطفال تحت الركام أو تُزهق أرواحهم في طوابير المساعدات. ومع استمرار منع الإمدادات الإنسانية، تحوّل قطاع غزة إلى سجن جماعي يُعاقب فيه الجائع بالرصاص.
المجتمع الدولي، في شكله الحالي، بات عاجزًا تمامًا عن كبح جماح الاحتلال أو حتى الضغط عليه. أما الأمم المتحدة، فقد تآكلت شرعيتها الأخلاقية في غزة، حين اكتفت بالتحذير من المجاعة بدل التحرك لمنع وقوعها. والأسوأ، أن هذا العجز يُقابَل بزيادة دعم بعض العواصم الغربية لحكومة الاحتلال، سواء ماديًا أو سياسياً.
وفي ضوء هذا الواقع الدموي، بات من الملحّ إعادة تقييم طبيعة التعاطي الدولي مع الجرائم الإسرائيلية. فالأرقام لم تعد مجرد إحصائيات: كل رقم هو حياة، وكل شهيد هو شاهد على تقاعس العالم.
غزة اليوم تنزف بصمت، لا لشيء سوى لأنها تُقاوم. والمجاعة التي تُفرض على سكانها ليست كارثة طبيعية، بل قرار سياسي بامتياز، تتحمل مسؤوليته دولة الاحتلال ومن يمدّها بالغطاء.
تعليقات الزوار