هبة زووم – حسن لعشير
في مشهد غير مألوف على ضفاف المتوسط، نصبت السلطات المحلية بمدينة الفنيدق خيامًا صحراوية تقليدية بكورنيش المدينة في إطار ما وُصف بمبادرة لتعزيز الهوية الوطنية والتعريف بالثقافة الحسانية، غير أن المبادرة سرعان ما تحولت إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، بين مستهزئ “بغرابة الفكرة” ومستنكر لـ”تناقضها مع الطابع الشمالي”، ما فتح نقاشًا واسعًا حول عمق الانتماء للوطن المتعدد، ومعنى الاحتفاء بالثقافات الجهوية كجزء من الهوية الجامعة.
الانتقادات التي وُجهت للمبادرة، والتي وصفتها بعض التعليقات بـ”الديكور الغريب”، لم تكن مجرد مواقف سطحية بل كشفت عن عمق إشكال ثقافي في فهم تمفصلات الهوية المغربية، التي تقوم على تعدد غني، تشكل فيه الخيمة الصحراوية رمزًا أصيلاً لا ينبغي التعامل معه بترميز جهوي ضيق أو منظور سياحي صرف.
وتعكس السخرية من هذه الخيم جهلًا – وربما نكرانًا – لحقيقة أن الهوية المغربية ليست هوية خطية موحدة، بل نسيج متنوع يتقاطع فيه الريفي بالأمازيغي، والصحراوي بالحساني، والسوسي بالعربي، ضمن وحدة غنية ومتجانسة، لا تعني التنميط، بل الاحتفاء بالاختلاف.
وبحسب باحثين في الثقافة الحسانية، تُعد الخيمة الصحراوية معمارًا رمزيًا له دلالة كبيرة في وجدان الإنسان الصحراوي، فهي ليست فقط ملاذًا في الصحراء القاسية، بل فضاء للضيافة والكرم ولقاء العائلة.
ومن هنا، فإن تنصيبها في كورنيش الفنيدق ليس فعلًا سياحيًا عابرًا، بل دعوة رمزية للاقتراب من جزء من الذاكرة الوطنية التي ما تزال حية في الجنوب المغربي.
وعلى الجانب الآخر، عبّر عدد من الفاعلين الثقافيين والنشطاء الجمعويين عن استغرابهم من حجم الانتقادات الموجهة لهذه الخطوة، مؤكدين أن المبادرة تندرج في إطار “الاعتراف بالتراث اللامادي” الذي لا يجب أن يبقى حبيس الجغرافيا، بل يُعرض ويُحتفى به في كل ربوع المملكة.
وشدد هؤلاء على أن التعدد الثقافي ليس تهديدًا للوحدة، بل هو مصدر غنى، ومن يجهل رمزية هذه الخيم “يسقط ضحية مركزية ثقافية مغشوشة ترى في التنوع نشازًا بدل أن تراه ثراء”.
ما أثارته خيام الفنيدق يُعيدنا إلى سؤال مركزي: هل نحن فعلاً نعي عمق وغنى الهوية المغربية؟ أم أن فئة واسعة من المجتمع ما تزال حبيسة نظرة “جهوية” تعتبر أن لكل منطقة ثقافتها التي يجب أن تظل داخل حدودها الجغرافية، في تناقض صارخ مع خطاب “مغرب الثقافات” الذي يتغنى به الجميع؟
يبدو أن المطلوب اليوم ليس فقط المبادرات الثقافية، بل تربية ثقافية جماعية جديدة تقوم على فهم التراث كعامل وحدة لا كسبب انقسام، وتُخرج الثقافة من قوقعة الفولكلور إلى ساحة الوعي الوطني.
من طنجة إلى الكويرة، لا يزال المغرب يُبهر العالم بتنوعه اللساني والمعماري والغنائي والروحي… إلا أن هذا التنوع يحتاج إلى من يحسن استثماره لا من يسخر منه، ويحتاج قبل ذلك إلى جرعة مضاعفة من الوعي الجماعي بأن الثقافة ليست “ترفيهًا” أو “ديكورًا”، بل جوهر الانتماء الوطني ومادة تشكيل الهوية.
تعليقات الزوار