شباب “زيد” في الساحات وأخنوش يتحدث من كوكب آخر

علال الصحراوي

علال الصحراوي
خمسة أيام كاملة احتاجها رئيس الحكومة عزيز أخنوش ليخرج عن صمته إزاء واحدة من أكبر موجات الاحتجاجات التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
خمسة أيام امتلأت فيها الشوارع بهتافات الشباب، بينما كانت الحكومة تتصرف وكأن ما يحدث مجرد “سحابة صيف عابرة”. وعندما خرج أخيراً، لم يحمل خطابه أي جديد؛ مجرد عبارات مطمئنة عن “الحوار” و”التجاوب”، وكأننا أمام نسخة مكررة من بيانات وزارية سمعناها لعقود.
لكن الحقيقة أن خطاب أخنوش كشف عن فجوة عميقة، ليست فقط بين السلطة والشباب، بل بين زمنين مختلفين، فالحكومة ما تزال تفكر بعقلية بطيئة، مثقلة بالتوازنات الحزبية والإجراءات الشكلية، في حين أن جيل “زيد” يعيش في سرعة زمن رقمي لا ينتظر ولا يقبل الوساطات.
هذا الجيل قادر على تنظيم اجتماع، اتخاذ قرار، وتعبئة الشارع في أقل من ساعة، عبر منصات افتراضية تُدار من المقاهي والبيوت. أي معنى إذن لدعوة رئيس الحكومة إلى “المؤسسات” التي فقدت ثقة المواطنين قبل أن يفقدوا إيمانهم بها؟
الصدمة الكبرى أن أخنوش تحدث عن “الحوار داخل المؤسسات”، بينما الشارع يهتف ضده شخصياً، ويضع رأسه ضمن قائمة المسؤولين عن الفساد وسوء التدبير.
كيف يمكن لحوار أن يبدأ بينما أحد طرفيه مرفوض أصلاً من الطرف الآخر؟ كيف يُبنى “تجاوب” على لغة خشبية لا تسمع سوى صداها داخل قاعات مغلقة؟
الأخطر أن الحكومة، بدل أن تنصت إلى أصوات الاحتجاج، اختارت الدفاع عن التدخلات الأمنية العنيفة التي أودت بحياة ثلاثة أشخاص وخلفت مئات الإصابات.
وكأن السلطة لا تزال تعتقد أن الأمن يمكن أن يُعالج أزمة سياسية عميقة. لكن شباب “زيد” لا يطالب فقط بالصحة والتعليم والكرامة؛ إنه يطالب بإسقاط منظومة الفساد التي يعتبر أخنوش أحد رموزها.
إن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد احتجاجات مطلبية. نحن أمام صدام بين زمنين: زمن سياسي بطيء، يقوم على التوافقات والمحاصصات الحزبية، وزمن رقمي سريع، يرفض الانتظار ويريد الحلول الآن.
شباب “زيد” لا يطلب مقعداً في البرلمان ولا وعداً في برنامج حكومي؛ إنه يطلب مستقبلاً مختلفاً، ويعلن بصوته العالي أن الشرعية لم تعد محصورة في المؤسسات الرسمية، بل في الشارع وفي الفضاء الرقمي حيث يولد القرار ويتحرك الناس.
أخنوش، بخطابه المتأخر والمكرر، لم يفعل سوى تكريس هذه الفجوة. لقد بدا وكأنه يتحدث من كوكب آخر، بينما المغرب يغلي تحت قدميه.
والسؤال الآن: هل تملك هذه الحكومة الشجاعة للاعتراف بفشلها، أم أنها ستنتظر حتى يكتب الشارع كلمته النهائية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد