هبة زووم – محمد خطاري
يتواصل الجدل السياسي والمجتمعي حول أرقام الطلاق في المغرب، بين مقاربة وزارة العدل التي ترفض التهويل والتجريم، ورؤية وزارة التضامن التي ترى في الظاهرة مؤشراً مقلقاً على تصدّع البنية الأسرية.
هذا التباين في المواقف برز بحدة خلال الأيام الأخيرة، بعدما دافعت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة بن يحيى، عن وصف الظاهرة بـ”المقلقة”، في وقت يتمسّك فيه وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، باعتبارها “تعاقداً ينتهي كما يبدأ”، دون الحاجة إلى إثارة الهلع المجتمعي.
بن يحيى: الطلاق لم يعد ظاهرة عابرة… بل مؤشر على تحولات بنيوية داخل الأسرة المغربية
خلال جوابها على سؤال برلماني، أكدت بن يحيى أن “ارتفاع حالات الطلاق لم يعد مجرّد ظاهرة اجتماعية، بل مؤشراً مقلقاً على تحولات بنيوية تمس عمق الأسرة المغربية وتهدد دورها في التنشئة والتماسك المجتمعي”.
وأضافت أن هذا الارتفاع “لا يمكن فهمه خارج سياقه العام”، مشيرة إلى أنه تجلٍّ واضح لجملة من التغيرات العميقة التي عرفتها الأسر المغربية، تماشياً مع ما يحدث في المجتمعات المعاصرة من تحولات في نمط العيش والقيم والعلاقات الاجتماعية.
وبحسب الوزيرة، تكشف نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى أن المغرب انتقل من “النموذج الأسري المركّب” الذي يقوم على توزيع الأدوار بين أفراد العائلة الكبيرة، إلى “النموذج النووي المحدود”، حيث يجد الزوجان نفسيهما أمام تحديات الرعاية والتنشئة والتوفيق بين الحياة المهنية والعائلية، في ظل تراجع التضامن الاجتماعي.
وترى المسؤولة الحكومية أن هذه التحولات الطبيعية المرتبطة بزمن التكنولوجيا وتسارع الإيقاع الحياتي، ترافقها آثار سلبية على استقرار الأسرة، بسبب هشاشة منظومة المواكبة وضعف الدعم النفسي والتربوي، وغياب آليات الوساطة الأسرية قبل الانفصال أو حتى قبل الزواج.
وهبي: الطلاق ليس جريمة.. بل تعاقد ينتهي باتفاق شخصين
في المقابل، شدد وزير العدل عبد اللطيف وهبي على ضرورة “الكف عن التعامل مع الطلاق وكأنه جريمة”، مؤكداً خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب أن الأمر يتعلق في الأصل بـ”تعاقد بين شخصين يمكن أن ينتهي بالاتفاق بينهما دون دراما مجتمعية”.
وأوضح وهبي أن ارتفاع أرقام الطلاق اليوم مقارنـة بالسنوات الماضية لا يرتبط بانهيار قيم أو تفكك مجتمعي، بل سببه أن النساء كن يعانين قبل صدور مدونة الأسرة سنة 2004 مع الإجراءات القانونية الطويلة، وهو ما كان يجعل الكثيرات يمضين “أكثر من 20 سنة في المحاكم”، على حد وصفه.
ومع إصلاحات المدونة وتبسيط المساطر، أصبحت إمكانية اللجوء إلى الطلاق أكثر يسراً، ما أدى — حسب الوزير — إلى ظهور ارتفاع رقمي طبيعي لا يعكس بالضرورة موجة انفصال غير مسبوقة.
جدل مستمر.. بين قراءة قانونية وقراءة اجتماعية
هذا التباين في المقاربتين يكشف عن عمق النقاش الوطني حول مستقبل الأسرة المغربية في ظل التحولات الاقتصادية والقيمية والتكنولوجية.
فبين من يرى أن الطلاق حق مشروع وعادي، ومن يعتبر ارتفاعه مؤشراً مقلقاً على تفكك الروابط الأسرية، يبقى الملف مفتوحاً أمام نقاش أوسع ينتظر أن يحسمه إصلاح مدونة الأسرة المرتقب، باعتباره المحطة الأساسية لإعادة ترتيب العلاقة بين القانون والمجتمع والواقع الأسري اليومي.
تعليقات الزوار