تأجيل مثير في قضية أملاك الدولة بمراكش والمتهم الرئيسي يتخلف عن الحضور

هبة زووم – ياسر الغرابي
في مسار قضائي جديد يعيد ملف الفساد العقاري إلى واجهة الرأي العام بمراكش، قررت غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف تأجيل النظر في القضية المرتبطة بتبديد وتفويت أملاك الدولة، والتي يُتابَع فيها عشرة متهمين بينهم مسؤولون ومنتخبون، إلى غاية 5 دجنبر المقبل.
ويأتي قرار التأجيل بعد تخلف المدير الجهوي السابق لأملاك الدولة عن الحضور، إذ كلّفت المحكمة الوكيل العام للملك باستدعائه بشكل رسمي.
هذه القضية التي تُوصف بأنها إحدى أضخم ملفات الفساد بالمدينة الحمراء، تتضمن اتهامات متعددة تشمل تبديد أموال عمومية، وتلقي منافع غير مستحقة، والتزوير واستعماله، والمشاركة في صفقات مشبوهة، في سياق شبكة معقدة من المصالح التي تداخل فيها النفوذ السياسي والإداري بشكل لافت.
تفاصيل القضية التي أعاد الناشط الحقوقي ورئيس الجمعية المغربية لحماية المال العاممحمد الغلوسي إحياءها عبر تدوينة وُصِفت بالنارية، تكشف جانباً معتماً من طريقة تدبير البرنامج الملكي “مراكش الحاضرة المتجددة”، الذي رُصدت له ميزانية ضخمة تناهز 600 مليار سنتيم. البرنامج الذي كان يفترض أن يكون رافعة للتنمية الحضرية، تحوّل — وفق المعطيات — إلى منفذ واسع لعمليات تبديد المال العام، واستغلال النفوذ، وتبييض الأموال.
يشير الغلوسي إلى أن منتخبين ومسؤولين نافذين انخرطوا في تأسيس شركات صورية، لا تتوفر على أي قدرات مالية أو تقنية، ولا وجود لها إلا على الورق، بعضها حمل أسماء أبناء المسؤولين، وبعضها أوكلت إدارته لأجراء ووسطاء ليست لهم أي علاقة بعالم الاستثمار، ليتم تقديمهم في الاجتماعات الرسمية كـ“مستثمرين قادرين على ضخ ملايين الدراهم”.
هذه الشركات، التي تأسست على عجل وبشكل انتقائي بالتزامن مع انطلاق البرنامج الملكي، حصلت على صفقات ضخمة تتراوح بين 49 و52 مليون درهم، قبل أن تقوم مباشرة بالتنازل عنها لفائدة أطراف أخرى، في عمليات ظاهرها الاستثمار وباطنها المضاربة في العقار العمومي وتحويله إلى مصدر للإثراء غير المشروع.
في المقابل، كان بعض المتهمين يحصلون على شهادات إدارية بكونهم “فلاحين”، رغم أنهم يمارسون مهناً حرة، للاستفادة من الدعم المخصص لاستيراد الأبقار، في صورة أخرى لاستخدام النفوذ من أجل تضخيم الثروات.
وتوضح المعطيات أن عدداً من هؤلاء انتقلوا في سنوات قليلة من وضعيات مالية محدودة إلى مستثمرين دوليين يمتلكون شركات في إيطاليا وفرنسا وعدد من الدول الإفريقية، دون أن يُعرَف مصدر رؤوس الأموال التي بُنيت عليها هذه التوسعات.
ورغم خطورة الوقائع، فإن الوكيل العام للملك وقاضي التحقيق اكتفيا بسحب جوازات السفر وإغلاق الحدود في وجه المتهمين، دون وضعهم رهن الاعتقال الاحتياطي. وهو ما اعتبرته الجمعية المغربية لحماية المال العام تناقضاً صارخاً مع حجم شبهات الفساد المطروحة على طاولة القضاء.
الفرقة الوطنية للشرطة القضائية كانت قد باشرت أبحاثها في هذا الملف منذ عام 2018، وقد أظهر التحقيق مهارة مهنية عالية، حسب الغلوسي، وكشف خيوطاً واسعة تتعلق بتضخم الثروة واستغلال المشاريع العمومية كوسيلة للمضاربة.
ورغم إحالة الملف على غرفة الجنايات منذ سنة 2022، فإن التأجيلات المتكررة باتت تثير خشية واسعة من أن يلقى المصير نفسه الذي عرفته “قضية كازينو السعدي”، والتي استغرقت أكثر من 15 سنة دون حسم نهائي.
الجمعية المغربية لحماية المال العام أكدت أنها بصدد الكشف عن معطيات إضافية خلال الأيام المقبلة، وستضعها بين يدي القضاء من أجل الدفع نحو محاسبة جدية، معتبرة أن أي تأخير غير مبرّر يُعد هدراً للزمن القضائي، ويمس بثقة المواطنين في العدالة وسيادة القانون.
في المقابل، يترقب الرأي العام جلسة 5 دجنبر باعتبارها مفصلية في هذا الملف الثقيل، الذي يعكس صورة مثيرة للقلق حول كيفية تدبير المال العام، واستخدام النفوذ لتفويت الفرص التنموية لمدينة عريقة مثل مراكش، وتحويل البرامج الكبرى إلى مصدر للثروة غير المشروعة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد