هبة زووم – إلياس الراشدي
في مدينة المحمدية، لم يعد الرصيف فضاءً مشتركًا ولا متنفسًا حضريًا يحفظ للمواطن كرامته وحقه الطبيعي في الحركة، ولم يعد ذاك الامتداد الإسمنتي الذي وُجد ليحمي الراجلين من زحام السيارات ويضمن لهم سلامة المرور.
دالرصيف هنا تحوّل إلى كيان موازٍ؛ جمهورية صغيرة لها قانونها، أعرافها، ميليشياتها، وحدودها التي تتوسع كل يوم على حساب المواطنين.
فمن يجرؤ اليوم على القول إن الأرصفة ملك عام؟ بل من يقدر أصلاً على استخدامها دون أن يخوض حرباً صغيرة مع جيش من التجاوزات؟
في المحمدية، يبدو الرصيف وكأنه عقار مُفرغ من وظيفته، وممتلئ بكل أشكال الفوضى التي جعلت الملك العمومي “غنيمة” لا ينال منها إلا من يرفع راية الفوضى ويستقوي بصمت السلطات.
فإذا تمكنت قدماك من وضع خطوة فوق الرصيف، فذلك حدث شبه معجزة.. أمّا وصولك إلى نهايته حيًّا فهو انتصار بطعم النجاة.
على امتداد الأرصفة، يتعايش البائع المتجول الذي يفترش البطيخ والسراويل مع متشرد يخوض حرباً يومية ضد الجوع على “كارتونة” تفوح منها رائحة البؤس.
وفي زاوية أخرى، يحوّل صاحب مقهى الرصيف إلى إقطاعية خاصة، يغلق منافذه بكراسٍ بلاستيكية ويعتبر أن كل شبر مُباح طالما أن السلطة لا تُرى ولا تُسمع.
أما عربة الشواء، فتمارس نشاطاً يضرب كل قوانين الصحة والبيئة: فحم مشتعل، دخان يختلط بأنفاس المارة، ورائحة كفتة تتصاعد فوق طبقة من الإهمال، لتغطي سماء المدينة قبل أن تغطي صدور السكان.
وحين يحاول المواطن – ذلك الكائن الذي صار وجوده عبئاً على الفضاء العام – أن يمارس أبسط حقوقه الطبيعية، يكتشف أن جسده لا ينتمي لهذه المدينة.
فإما أن يمشي بين السيارات، أو يقفز على الأرصفة المحتلة، أو يناور بين جزر من العشوائية المترامية، فوق قنينات مكسورة ولعب أطفال يتقاطع فيها الفقر مع الخطر.
في كل خطوة، تهديد. في كل زقاق، فوضى. وفي كل رصيف، سؤال كبير: أين هي السلطة؟ ومن فوّض البعض ليبيع الملك العمومي وكأنه إرث عائلي؟
في مدن العالم، الرصيف ملك عام مقدس؛ رمز للنظام والتحضر وحق الإنسان في العيش بكرامة، أما في المحمدية، فقد صار الرصيف “كل شيء إلا رصيفًا”: سوقًا عشوائيًا، غرفة نوم مفتوحة، مستودعًا للبضائع، ملهى ليليًا مصغرًا، فضاء لعب للهامشيين، وأحياناً ساحة حرب بين من يستولي ومن يحاول أن يمشي.
وما دامت السلطات تراقب بصمت، فإن المزاد العلني على الملك العمومي سيستمر والرصيف سيظل “متاحاً لمن يدفع أكثر: ليس بالمال، بل بقدرته على فرض الأمر الواقع”.
تعليقات الزوار