من يختطف التنظيم الذاتي للصحافة؟ هيئات مهنية تتهم الوزير بنسعيد بالتضليل وتطالب بالمحاسبة

هبة زووم – الرباط
في مشهد يختلط فيه الغموض بالتناقض، ويعلو فيه صوت الارتباك فوق رصانة التشريع، انفجرت الهيئات النقابية والمهنية للصحافة في وجه تصريحات وزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، بعدما ادّعى – بكل ثقة – أن 80 في المائة من ملاحظات مؤسستين دستوريتين ثقيلتي الوزن قد تم إدراجها في التعديلات الخاصة بمشروع القانون 26.25.
تصريح وُصف من داخل البيت الإعلامي بأنه أقرب إلى “قنبلة دخانية” منه إلى معطى سياسي مسؤول، لأنه يلقي الكثير من الظلال ولا يُظهر شيئاً من الحقائق.
الهيئات النقابية لم تكتف بالتشكيك، بل ذهبت مباشرة إلى قلب السؤال: أين هي هذه الملاحظات التي يقول الوزير إنه بنى عليها مشروعاً بهذه الحساسية؟ سؤال بسيط في الشكل، لكنه عاصف في المضمون، لأنه يضع الخطاب الحكومي أمام اختبار الشفافية الذي يبدو أنه لم يُجتز بعد.
وما أثار غضب الفاعلين المهنيين أكثر هو أن هذه التصريحات جاءت في ظرفية مشحونة أصلاً بفضيحة الفيديو المسرّب المنسوب لاجتماع لجنة التأديب وأخلاقيات المهنة، لتتحول – في نظرهم – إلى “فضيحة سياسية وأخلاقية” جديدة، تعمّق أزمة الثقة بين الحكومة ومكونات القطاع، وتكشف ما وصفوه بأنه تطاول غير مسبوق على مؤسسات دستورية يفترض أن يُتعامل معها بمستوى أعلى من الجدية والمسؤولية.
وتقول الهيئات المهنية إن المعطيات الزمنية وحدها تكفي لنسف ادعاءات الوزير، فالرأي الصادر عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان لم يُقدم إلا في 16 شتنبر 2025، بينما رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لم يُصادق عليه إلا في 25 شتنبر من العام نفسه، في حين كان مشروع القانون قد عبر محطة مجلس النواب منذ يوليوز.
فكيف يمكن إذن استيعاب 80 في المائة من ملاحظات لم تكن موجودة أصلاً عند تمرير النص في الغرفة الأولى؟ سؤال آخر يضاف إلى لائحة الأسئلة المعلّقة.
ولم تكتف الهيئات المهنية بالتشكيك في مضمون التصريح؛ بل ذهبت أبعد، معتبرة أن حجم الملاحظات الجوهرية الصادرة عن المؤسستين الدستوريتين كافٍ – وحده – لإسقاط المشروع برمّته وإعادته إلى طاولة تفاوض حقيقية، بدل محاولة تمريره بمنطق فرض الأمر الواقع أو بمنطق الهيمنة الذي بات يثير استنفاراً غير مسبوق داخل القطاع.
وفي لهجة لا تخفي حدّتها، حمّلت الهيئات النقابية الحكومة مسؤولية ما سمّته “الانتهاك الصريح للقوانين” و”الاستخفاف بالدستور” و”تحدي المواثيق الدولية”، معتبرة أن ما يجري هو محاولة واضحة لإعادة صياغة التنظيم الذاتي للصحافة على مقاس السلطة، وتطويعه ليصبح أداة ضبط بدل أن يكون آلية حماية واستقلال.
وتشدد الهيئات المهنية على أن التنظيم الذاتي ليس امتيازاً تمنّ به الحكومة على الصحفيين، بل هو مبدأ ديمقراطي راسخ عالمياً، قائم على الاستقلالية والانتخاب والتمثيل النسبي، وعلى حضور قوي لتمثيلية الجمهور، لا على هندسة مغلقة تريدها بعض “العقول المتنفذة” لإحكام السيطرة على مهنة تنتزع شرعيتها من حرية التعبير.
وتختتم هذه الهيئات موقفها بدعوة صريحة لفرق الأغلبية كي تتحمل مسؤوليتها التاريخية، وتُقدِم على تعديل جوهري يحصّن حرية الصحافة ويحفظ استقلالية المجلس الوطني للصحافة، بدل أن تكون شريكاً – بالصمت أو التزكية – في ما تعتبره نقابات القطاع “مخطط تغوّل” يهدد واحدة من آخر حصون الديمقراطية في المغرب.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد