هبة زووم – الدار البيضاء
ليست الدار البيضاء مجرد حاضرة اقتصادية كبرى، بل صارت في نظر كثير من ساكنيها تجربة يومية قاسية لاختبار الصبر والقدرة على التكيّف مع واقع حضري مرتبك.
مدينة تُعلن طموحات الحداثة في الخطابات الرسمية، لكنها في الممارسة اليومية تُربك مواطنيها بتناقضات يصعب تبريرها.
في البيضاء، لا يبدأ اليوم بسلاسة، بل بسؤال بسيط يتحول إلى هاجس: هل سأقود سيارتي دون الوقوع في مخالفة مباغتة؟ وهل سأعود بها كما خرجت؟ فالسير في شوارع المدينة لم يعد مجرد تنقل، بل مغامرة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث تختفي الحدود بين المسموح والممنوع، ويُترك المواطن في منطقة رمادية يدفع ثمنها لاحقًا.
تعيش المدينة على إيقاع مفارقة صارخة: تطبيقات رقمية، وآلات أداء ذكية، وخطاب عن “المدينة الحديثة”، في مقابل تشوير ناقص أو غائب، وأزقة بلا أسماء، وفضاءات ركن لا تحمل أي وضوح قانوني.
وفي مثل هذا السياق، يتحول السائق إلى متهم محتمل، حتى قبل أن يخطئ، ويصبح مطالبًا بقراءة النوايا بدل قراءة اللوحات.
في أحياء كثيرة، يركن المواطن سيارته معتقدًا أنه احترم القانون، يؤدي واجب الركن عبر آلة إلكترونية، ويغادر مطمئنًا، لكنه عند عودته يفاجأ بالفراغ: السيارة اختفت، ولا أثر لإنذار أو إشعار أو فرصة للتدارك.
هنا لا يكون السؤال عن المخالفة في حد ذاتها، بل عن منطق التدبير الذي يفضّل العقوبة الفورية على التحسيس، والزجر على الوقاية.
تبدأ بعد ذلك رحلة ثانية، أكثر إنهاكًا، داخل المحجز الجماعي، هناك، لا يُعامل المواطن كصاحب حق، بل كرقم في مسطرة جامدة، فاتورة ترتفع مع الزمن، وإجراءات لا تقبل النقاش، وكل تأخير يتحول إلى عبء مالي إضافي.
أما محاولة الفهم أو الاعتراض، فتُقابل غالبًا ببرود إداري يوحي بأن الخطأ دائمًا من المواطن، وأن النقاش ترف غير مسموح به.
لا أحد يجادل في ضرورة احترام القانون أو في الدور المحوري للأمن الوطني في تنظيم السير وحماية السلامة العامة. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في طريقة التطبيق، حين يغيب الوضوح ويُستبدل بمنطق المفاجأة.
فالقانون، لكي يكون عادلًا، يحتاج إلى تشوير صريح، وتواصل مسبق، وتدرج في العقوبة، لا إلى كمائن تُنصب في فضاءات غير مضبوطة.
إن ما تعيشه الدار البيضاء اليوم يطرح سؤال الحكامة الحضرية قبل سؤال المخالفة، هل الهدف هو تنظيم السير أم الإكثار من المحاضر؟ هل نريد مدينة تحترم المواطن وتساعده على الامتثال للقانون، أم مدينة تُراكم الغرامات وتُعمّق الإحساس بالغبن؟
فالمدينة التي تُدار بمنطق الزجر وحده تُنتج توترًا دائمًا، وتُقوض الثقة بين المواطن والمؤسسات، أما المدينة العادلة، فهي التي تجعل القانون واضحًا، والتطبيق منصفًا، والعقوبة آخر الحلول لا أولها.
الدار البيضاء في حاجة إلى مراجعة شجاعة لتدبيرها المروري، تقوم على الوضوح والإنصاف واحترام ذكاء المواطن، لا على مفاجأته ومعاقبته، لأن الاستقرار الحضري لا يُبنى بعدد السيارات المحجوزة، بل بعدد المواطنين الذين يشعرون أن القانون وُجد لحمايتهم لا لاصطيادهم.
تعليقات الزوار