هبة زووم – بني ملال
لم يعد أي حي من أحياء مدينة بني ملال بمنأى عن مشهد بات مألوفًا ومقلقًا في الآن ذاته: أشخاص يعانون من اختلالات عقلية يتجولون في الشوارع دون أي رعاية، أو إشراف طبي، أو متابعة اجتماعية.
مشهد لا يختزل فقط معاناة فئة هشة، بل يفضح فشلًا مركبًا في السياسات العمومية الصحية والاجتماعية، ويضع سلامة المرضى والمواطنين على حد سواء في دائرة الخطر.
هذه الظاهرة تجاوزت منذ زمن حدود الحالات الفردية أو الظرفية، لتتحول إلى أزمة حقيقية ذات أبعاد وطنية، تعكس نقصًا حادًا في البنيات التحتية المتخصصة، وخصاصًا مهولًا في الموارد البشرية، وغياب رؤية واضحة للدولة في التعاطي مع ملف الصحة النفسية والعقلية، الذي ظل لسنوات طويلة في هامش الاهتمام العمومي.
الأخطر في هذا السياق، ما تلجأ إليه بعض الجهات داخل عدد من الملحقات الإدارية، حيث يتم التعامل مع المختلين عقليًا بمنطق “التخلص” لا العلاج.
إذ تُسجل حالات جرى فيها جمع هؤلاء الأشخاص ونقلهم إلى مدن أخرى دون أي تشخيص طبي أو متابعة، في ما يمكن وصفه صراحة بـ”الترحيل القسري”.
ممارسة لا إنسانية، لا تحل المشكل، بل تعيد إنتاجه في فضاءات أخرى، وتكشف غياب الحس بالمسؤولية، وانهيار مقاربة التضامن المجتمعي والمؤسساتي.
على المستوى الصحي، تبدو الصورة أكثر قتامة. فالأجنحة المخصصة لرعاية المرضى العقليين تعاني اكتظاظًا خانقًا، كما هو الشأن بالجناح 36 بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، الذي يستقبل حالات تفوق طاقته الاستيعابية بكثير.
أما مدن أخرى، من بينها بني ملال، فتعاني أصلًا من غياب شبه تام لبنيات متخصصة، أو من ضعف حاد في الأطر الطبية والتمريضية، ناهيك عن نقص الأدوية الأساسية الضرورية للتدخل في الحالات الطارئة.
حتى المؤسسات التي كانت تشكل، في زمن سابق، ملاذًا لهذه الفئة، لم تسلم من التدهور. مستشفى الرازي بمدينة برشيد، الذي ارتبط اسمه تاريخيًا بعلاج الأمراض العقلية والنفسية، يشهد اليوم تراجعًا مقلقًا في خدماته.
خصاص في الأطر، ضعف في التجهيزات، وغياب التمويل الكافي، كلها عوامل حولت المستشفى إلى بنية عاجزة عن أداء دورها، ما يؤدي في حالات عديدة إلى خروج المرضى إلى الشارع، حيث يتعرضون لمخاطر جسيمة، ويُنظر إليهم أحيانًا كتهديد للأمن العام، لا لشيء إلا لأن الدولة تخلت عن مسؤوليتها تجاههم.
إن وجود مختلين عقليًا في الشوارع ليس ذنبهم، بل نتيجة مباشرة لفشل السياسات العمومية، ولتعامل موسمي وارتجالي مع ملف يفترض أن يكون في صلب الحق في الصحة والكرامة الإنسانية.
فبدل بناء مستشفيات متخصصة جهوية، وتعزيز الموارد البشرية، وإطلاق برامج للوقاية والتكفل والمتابعة، يُترك المرضى لمصيرهم، ويُترك المواطن لمواجهة واقع ينذر بالانفجار.
أمام هذا الوضع، يظل السؤال مطروحًا بإلحاح: إلى متى سيبقى ملف الصحة العقلية حبيس المقاربة الأمنية أو الحلول الترقيعية؟ ومتى تتحمل الدولة، بكل مؤسساتها، مسؤوليتها الكاملة في حماية المختلين عقليًا، لا باعتبارهم عبئًا يجب التخلص منه، بل مواطنين لهم الحق في العلاج والرعاية والعيش بكرامة؟
تعليقات الزوار