من قبة البرلمان إلى مقصلة القانون الانتخابي: هل انتهت المسيرة السياسية لنور الدين مضيان؟

عبد السلام نورينو – الحسيمة
دخلت قضية القيادي الاستقلالي نور الدين مضيان وزميلته السابقة رفيعة المنصوري منعطفًا حاسمًا، لم يعد محصورًا في نطاق الخلاف الشخصي أو الصدام الحزبي، بل تحوّل إلى مواجهة مباشرة مع منطق القانون الانتخابي المغربي، بكل ما يحمله من صرامة وتجريد وعقوبات لا تقبل التأويل.
فبعد صدور الحكم الابتدائي القاضي بإدانة مضيان بستة أشهر حبسًا نافذًا، لم يعد السؤال المطروح هو هل سيدخل السجن؟ بل بات السؤال الجوهري: هل انتهى سياسيًا؟
في 31 دجنبر 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية بتارجيست حكمًا أحدث زلزالًا في الوسط السياسي، بعدما أدانت نور الدين مضيان بتهم ثقيلة تشمل السب والقذف والتشهير عبر وسائط إلكترونية، إلى جانب التهديد والابتزاز. ولم يقتصر الحكم على العقوبة السالبة للحرية، بل ألزم المتهم بأداء تعويضات مدنية قدرها 180 ألف درهم لفائدة رفيعة المنصوري وقريبتها.
الحكم استند إلى تسجيل صوتي منسوب لمضيان، تضمن عبارات اعتبرتها المحكمة ماسّة بالكرامة ومخالفة للقانون، وهو ما نقل القضية من خانة “الجدل الأخلاقي” إلى مستوى الإدانة القضائية الصريحة، بما تحمله من تبعات سياسية وقانونية ثقيلة، خاصة داخل حزب الاستقلال الذي وجد نفسه أمام واحدة من أكثر قضاياه إحراجًا في السنوات الأخيرة.
بعيدًا عن العناوين السياسية، يكمن الخطر الحقيقي على مضيان في النصوص القانونية نفسها. فالقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب واضح وصريح: الإدانة النهائية في جرائم السب والقذف والتهديد تسقط الأهلية الانتخابية كيفما كانت مدة العقوبة، سواء كانت نافذة أو موقوفة التنفيذ.
بمعنى أدق، حتى لو جرى تخفيف الحكم استئنافيًا إلى حبس موقوف التنفيذ، فإن النتيجة القانونية واحدة: المنع من الترشح. وهنا، يضيق هامش المناورة إلى حدّه الأدنى، وتتحول المعركة من كسب التعاطف السياسي إلى سباق مع الزمن القضائي.
إذا أصبح الحكم نهائيًا، فإن المحكمة الدستورية ستكون ملزمة بتفعيل مسطرة تجريد مضيان من مقعده البرلماني، باعتبار أن شرط الأهلية لم يعد متوفرًا.
فالقانون لا يربط العضوية البرلمانية فقط بالانتخاب، بل أيضًا بـ”السلامة القضائية”، وهو ما يضع مضيان أمام سيناريو غير مسبوق في مسيرته الطويلة داخل البرلمان.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، إذ تنص المادة 7 من قانون اللوائح الانتخابية على حرمان كل من أدين بعقوبة حبسية في جنح تمس الشرف من القيد في اللوائح الانتخابية، ما يعني إقصاءً فعليًا من أي استحقاق قادم، بما فيها انتخابات 2026، ما لم يحصل المعني بالأمر على رد اعتبار، وهو مسار قانوني طويل ومعقّد.
سياسيًا، يشكل هذا التطور نقطة تحوّل في إقليم الحسيمة، حيث ظل مضيان لسنوات “الرجل القوي” وصانع التوازنات الانتخابية، وغيابه المحتمل يفتح الباب أمام إعادة رسم الخريطة السياسية محليًا:
داخل حزب الاستقلال، يبرز نقاش داخلي حاد بين من يرى في رفيعة المنصوري عنوانًا لـ”رد الاعتبار السياسي والأخلاقي”، ومن يدفع في اتجاه الحفاظ على نفوذ القواعد التقليدية عبر بدائل تنظيمية أقل كلفة.
في المقابل، تترقب أحزاب منافسة، وعلى رأسها الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، اللحظة باعتبارها فرصة نادرة لاختراق معقل ظل عصيًا لسنوات.
حتى في حال لم يُحسم الملف قضائيًا قبل موعد الانتخابات المقبلة، فإن مضيان يواجه عقبة أخرى لا تقل خطورة: التزكية الحزبية.
فالمزاج العام، داخل الدولة والأحزاب، يسير في اتجاه تشديد معايير الترشيح وربطها بالنزاهة والصورة الأخلاقية، وميثاق الأخلاقيات داخل حزب الاستقلال قد يشكل “الضربة القاضية”، تفاديًا لإحراج الحزب في سياق يرفع شعار تخليق الحياة العامة.
قضية “مضيان – المنصوري” لم تعد مجرد ملف سب وقذف، بل تحولت إلى حالة اختبار حقيقية لصرامة القانون الانتخابي المغربي، إما أن ينجح مضيان في قلب المعادلة عبر البراءة التامة استئنافيًا، أو أن المواد القانونية ستكتب السطر الأخير في مسيرة سياسية طويلة، وتنقله من فاعل انتخابي مركزي إلى اسم مشطوب من اللوائح بقوة القانون.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد