هبة زووم – محمد أمين
لم تحتج مدينة وجدة إلى تقارير تقنية معقدة ولا إلى لجان افتحاص مطوّلة كي تكتشف حجم الهشاشة التي تعانيها بنيتها التحتية؛ فقد تكفلت أمطار الخير الأخيرة بتعرية الواقع كما هو، وكشفت بالملموس أن ما أُنجز من أشغال في عدد من المحاور الطرقية، وعلى رأسها “روت” مراكش (طريق مراكش) وسط المدينة، لم يكن سوى واجهة إسفلتية سرعان ما انهارت أمام أول اختبار حقيقي.
ففي مشهد بات مألوفًا، تحولت الطريق إلى سلسلة من الحفر العميقة والتشققات الخطيرة، أربكت حركة السير وهددت سلامة السائقين والراجلين على حد سواء، في مدينة يُفترض أنها بوابة المغرب الشرقية، وتطمح إلى موقع متقدم في مسار التنمية الحضرية، غير أن الواقع الميداني يقول عكس ذلك تمامًا: طرق تُنجز بسرعة، وتنهار بسرعة أكبر، وكأنها لم تُهيأ إلا لتمرير الصفقات لا لخدمة الساكنة.
هذه الوضعية فجّرت موجة استياء عارمة في صفوف فعاليات مدنية وحقوقية، لم تتردد في توجيه أصابع الاتهام إلى المجلس الجماعي لوجدة، محمّلة إياه مسؤولية ما وصفته بـ”خذلان الساكنة” وتركها تواجه مصيرها أمام بنية تحتية هشة، كشفت الأمطار الأخيرة الحجاب عن رداءة أشغالها وسوء المعايير التي أُنجزت بها.
وتؤكد هذه الفعاليات أن ما يقع لا يمكن اعتباره مجرد أضرار ظرفية ناجمة عن التساقطات المطرية، بل هو نتيجة طبيعية لمسلسل طويل من الاختلالات، يبدأ من إعداد دفاتر التحملات، ويمر عبر إسناد الصفقات، ولا ينتهي عند غياب المراقبة والتتبع الصارم للأشغال المنجزة. وهو ما يطرح، بقوة، سؤال الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير مشاريع البنية التحتية بالمدينة.
كما ترى الأصوات المنتقدة أن استمرار الصمت الرسمي إزاء هذه الانهيارات المتكررة يُكرّس منطق الإفلات من المساءلة، ويغذي الإحساس العام بأن المال العام يُصرف دون أثر ملموس على جودة عيش المواطنين.
لذلك تعالت المطالب بفتح تحقيق شامل ومستقل في جميع صفقات البنية التحتية التي عرفتها وجدة خلال السنوات الأخيرة، قصد الوقوف على مدى احترامها للمعايير التقنية والقانونية، وتحديد المسؤوليات، وترتيب الجزاءات اللازمة في حال ثبوت أي اختلال أو تلاعب.
إن ما تعيشه وجدة اليوم ليس استثناءً، لكنه نموذج صارخ لمدينة تُختبر بنيتها التحتية كل شتاء، فتسقط في الامتحان ذاته، وبينما تتحدث الخطابات الرسمية عن التنمية والاستدامة، يظل المواطن يواجه الحفر، والفيضانات، ورداءة الأشغال، في انتظار إرادة حقيقية تُنهي زمن “الإسفلت المؤقت” وتضع حدًا للاستهتار بالمال العام.
