البام ينتقد نفسه وبنسعيد يتقمص دور المعارضة ويطالب بمدرسة جيدة ومستشفى لائق

هبة زووم – الرباط
يبدو أن السياسة في المغرب دخلت مرحلة جديدة، لم يعد فيها المواطن قادرًا على التمييز بين من يحكم ومن يعارض، ولا بين من يقرر ومن يحتج.
آخر تجليات هذا الالتباس، ما صدر عن قيادات حزب الأصالة والمعاصرة خلال مجلسه الوطني، حيث تحدث وزراء ومسؤولون حكوميون بلغة أقرب إلى بيانات الاحتجاج منها إلى خطاب من يمسك بمقاليد القرار.
محمد المهدي بنسعيد، الوزير وعضو القيادة الجماعية للحزب، اكتشف فجأة أن الوطنية لا تُقاس بالشعارات، بل بمدرسة جيدة ومستشفى لائق وفرصة شغل كريمة.
اكتشاف متأخر، لكنه مؤثر، لولا أن صاحبه وزير في حكومة يُفترض أنها مسؤولة عن المدرسة والمستشفى والشغل. وهنا يحق للمغاربة أن يتساءلوا: هل كان بنسعيد يخاطب حكومة أخرى؟ أم أن خطابه مجرد تمرين بلاغي لإبراء الذمة السياسية قبل الاستحقاقات المقبلة؟
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فاطمة الزهراء المنصوري، الوزيرة بدورها وقطب أساسي في الحزب، طمأنت الحضور بأن “الأغلبية الحكومية ناجحة”، وأن الحزب ثابت في قناعاته، بل واثق من تصدره الانتخابات المقبلة.
ثقة تحسد عليها، خصوصًا إذا علمنا أن نفس الأغلبية تواجه انتقادات غير مسبوقة بسبب الغلاء، وتراجع الخدمات العمومية، وتآكل القدرة الشرائية، لكن لا بأس، فالتقييم الإيجابي – كما يبدو – يتم داخل القاعات المكيفة، لا في طوابير المستشفيات ولا في أقسام التعليم العمومي.
أما نجوى ككوس، فقد رفعت السقف عاليًا بالحديث عن “الريادة المغربية” و”احترام الدستور” والاستعداد للانتخابات المقبلة، كلام جميل، لكنه لا يجيب عن سؤال بسيط: لماذا يشعر المواطن أن السياسة بعيدة عنه أكثر من أي وقت مضى؟ ربما لأن نفس الوجوه التي تشيد بالديمقراطية هي نفسها التي تصمت حين يتعلق الأمر بالمحاسبة، أو تفضل خطاب التجميل بدل مواجهة الواقع.
السخرية هنا ليست في الكلام نفسه، بل في مصدره، فحين تتحدث المعارضة عن فشل السياسات، نفهم ذلك. وحين تنتقد النقابات أو المجتمع المدني، يكون الأمر منطقيًا، لكن حين يشتكي الحكم من نتائج حكمه، ويطالب بما هو مسؤول عنه، فنحن أمام مشهد سياسي عبثي بامتياز.
الأصالة والمعاصرة اليوم يريد أن يكون كل شيء في آن واحد: حزب سلطة حين يتعلق الأمر بالمناصب، وحزب مطالب حين يتعلق الأمر بالنتائج، وحزب قيم حين تحين لحظة الخطاب، أما المسؤولية، فهي دائمًا مؤجلة، أو موزعة، أو ضائعة بين “القيادة الجماعية” و”روح الفريق”.
في النهاية، قد يصدق المغاربة خطابًا سياسيًا واحدًا فقط: ذاك الذي يعترف بالفشل قبل الحديث عن النجاح، ويتحمل المسؤولية قبل توزيع الشعارات. غير ذلك، سيظل مجرد كلام جميل يصلح للمنصات، لا لحياة الناس.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد