هبة زووم – الدار البيضاء
في حي الفلاح بمقاطعة مولاي رشيد بالدار البيضاء، لم يعد المشي على الرصيف حقاً مكفولاً للمواطن، بل تحول إلى “مغامرة” يومية تتطلب مهارة القفز بين عربات الباعة المتجولين، وطاولات التجارة العشوائية، وسلع تُعرض جهاراً نهاراً في انتهاك صارخ لقانون السير ولحق المارة في التنقل الآمن.
فما كان يُفترض أن يكون شارعاً سكنياً هادئاً، تحول إلى “سوق مفتوح” يُخنق الساكنة، ويُشوّه المشهد الحضري، ويُهدد السلامة العامة، في ظل صمت مؤسسي يُطرح كسؤال محرج: من يحمي حق سكان حي الفلاح في بيئة حضرية منظمة وآمنة؟
لا يحتاج الزائر اليوم لحي الفلاح إلى دليل ليكتشف واقع الأرصفة المغتصبة: رصيف صُمم للمشاة تحول إلى “معرض دائم” للبضائع، من خضر وفواكه، وملابس وأدوات منزلية، وأطعمة جاهزة تُحضّر في ظروف صحية مشكوك فيها.
والبائعون، بدل أن يبحثوا عن فضاءات مرخصة لممارسة نشاطهم، يفرضون “قانون الغاب” على الرصيف، مُجبرين المارة على النزول إلى الشارع وسط السيارات، مُعرّضين حياتهم للخطر.
والسؤال الجوهري: أين هي الرقابة التي كان يفترض أن تمنع هذا الاحتلال المنظم للفضاء العام؟ وأي “تسامح” هذا الذي يُحوّل الرصيف من حق للمارة إلى “غنيمة” للتجار العشوائيين؟
لا تقتصر معاناة سكان حي الفلاح على “فقدان الرصيف”، بل تمتد إلى تلوث سمعي وبصري وبيئي يُعكّر صفو حياتهم اليومية، فالضجيج المستمر للباعة والزبائن، والروائح المنبعثة من بيع الأطعمة، والنفايات المتراكمة بعد نهاية “يوم السوق”، كلها عناصر تحول الشارع السكني إلى “بؤرة فوضى” تُهدد جودة العيش.
والأكثر إيلاماً أن هذه الفوضى تحدث “تحت نوافذ الساكنة”، مما يعني أن المواطنين يعيشون المعاناة يومياً، دون أن يجدوا من يسمع صرختهم، فكيف يمكن الحديث عن “جودة الحياة الحضرية” بينما تتحول الأحياء السكنية إلى أسواق عشوائية لا تخضع لأي معايير صحية أو تنظيمية؟
ما يُفاقم أزمة حي الفلاح هو تحول “الفوضى” إلى “أمر واقع” مُشرعَن، حيث اعتاد الباعة على ممارسة نشاطهم دون رادع، والسكان على المعاناة دون أمل في التغيير، والسلطات على “التغاضي” عن الخرق بحجة “البعد الاجتماعي” أو “صعوبة التدخل”.
لكن هذا “التسامح” لا يخدم أحداً: لا البائع الذي يبقى في هامش القانون، ولا الساكن الذي يفقد حقه في بيئة سليمة، ولا المدينة التي يتشوه وجهها الحضري، فالحل ليس في “القمع” ولا في “اللامبالاة”، بل في تنظيم محكم يوفق بين الحق في الكسب الحلال والحق في العيش الكريم.
ما يعيشه حي الفلاح بمقاطعة مولاي رشيد ليس “خللاً ظرفياً”، بل هو اختبار لمصداقية التدبير الحضري وقدرة المؤسسات على توفير أبسط حقوق المواطن: الحق في رصيف آمن، وشارع منظم، وبيئة سليمة.
فإما أن تتحرك الجهات المختصة بجدية لاستعادة الأرصفة، وتنظيم التجارة الجائلة، وضمان جودة العيش للسكان، وإما أن يستمر “نهج اللامبالاة” الذي يُحوّل الأحياء السكنية إلى أسواق عشوائية، ويُهدر كرامة المواطنين.
تعليقات الزوار