سلا تحت وطأة تسول منظم أو حين تتحول الحاجة إلى مهنة مدروسة

هبة زووم – سلا
تشهد مدينة سلا تفاقماً لافتاً في ظاهرة التسول، التي لم تعد مجرد انعكاس للفقر والهشاشة الاجتماعية، بل تحولت، في نظر العديد من المتتبعين، إلى نشاط منظم قائم على أساليب مدروسة تستهدف استدرار عطف المواطنين واستغلال الفضاءات العامة.
المشهد اليومي بالمدينة يكشف عن انتشار واسع للمتسولين في نقاط استراتيجية، تبدأ من أبواب المساجد المكتظة بالمصلين، مروراً بمحطات القطار والترامواي، وصولاً إلى الأسواق وإشارات المرور، بل وحتى داخل حافلات النقل العمومي، حضور كثيف يوحي بأن الأمر لم يعد عفوياً أو ظرفياً، بل أقرب إلى “موسم” يتكرر بشكل لافت، خاصة في فترات معينة.
مع أولى خيوط الصباح، ينطلق هؤلاء نحو “نقاط تموقعهم”، وكأنها خريطة توزيع محكمة، حيث تُختار الأماكن بعناية لضمان أكبر قدر من التفاعل مع المارة. أمام شبابيك السحب الآلي، وعند المخابز، وبالقرب من محطات الوقود، يتكرر نفس المشهد: أيدٍ ممدودة، نظرات مستعطفة، وقصص تُروى أحياناً بالصمت أكثر مما تُروى بالكلمات.
غير أن أخطر ما يثير القلق، هو لجوء بعض المتسولين إلى استغلال الأطفال، سواء عبر حمل الرضع تحت أشعة الشمس الحارقة، أو دفع الصغار إلى ملاحقة المارة واستعطافهم بطرق تضعهم في مواقف محرجة.
هذا السلوك لا يطرح فقط إشكالاً أخلاقياً، بل يفتح أيضاً باب التساؤل حول حماية الطفولة، في ظل تحويل أطفال في عمر الزهور إلى أدوات لكسب المال في الشارع.
وتحكي “فاطمة”، وهي مواطنة تعرضت لموقف مماثل بمدينة الدار البيضاء، كيف وجدت نفسها في موقف حرج عندما اعترضها طفل صغير قرب محطة الترامواي، قائلة إن ما يزعجها ليس فقط الإلحاح، بل أيضاً نظرات الآخرين التي توحي وكأن رفض إعطاء المال يُعد سلوكاً غير إنساني.
ولا تقتصر الظاهرة على الاستعطاف فقط، بل تتخذ أحياناً أشكالاً أكثر جرأة، مثل تنظيف زجاج السيارات عند إشارات المرور بشكل مفاجئ، أو التموقع عند مداخل محطات الوقود رغم محاولات المنع من طرف العاملين بها، في مشهد يعكس تحدياً واضحاً للقواعد المنظمة للفضاء العام.
أمام هذا الواقع، تتعالى أصوات تطالب بتدخل حازم يعالج الظاهرة من جذورها، بدل الاكتفاء بالمقاربات الظرفية، فبين من يتخذ التسول كحيلة للبقاء، ومن يحوله إلى “حرفة” مربحة، تضيع الحدود، ويجد المواطن نفسه بين مطرقة التعاطف الإنساني وسندان الاستغلال الممنهج.
اليوم، تبدو سلا أمام معادلة معقدة: كيف يمكن التمييز بين المحتاج الحقيقي والمستغل؟ وكيف يمكن حماية الفضاء العام، دون المساس بكرامة الفئات الهشة؟ أسئلة تفرض نفسها بإلحاح، في انتظار مقاربة شمولية توازن بين البعد الاجتماعي والحزم القانوني.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد