من الأحرار إلى البام.. ترحال عائلة بادل يكشف أزمة الثقة في السياسية ويُعرّي أحزابًا بلا هوية ببرشيد

هبة زووم – أحمد الفيلالي
لم تعد التحولات السياسية التي تعرفها مدينة برشيد مجرد حالات معزولة أو اختيارات فردية تندرج ضمن حرية الانتماء، بل أصبحت تعبيرًا فجًّا عن انزلاق خطير نحو العبث السياسي، حيث تفقد الممارسة الحزبية معناها، وتتحول إلى مجرد أداة للتموقع والانتهازية.
فهجرة عائلة بادل من حزب إلى آخر ليست حدثًا عادياً، بل مؤشر مقلق على أزمة أخلاق سياسية تضرب في العمق ما تبقى من مصداقية العمل الحزبي.
ما يحدث اليوم يتجاوز حدود “الترحال السياسي” إلى ما يمكن وصفه بـ”الازدواجية الفاضحة”، حيث نرى منتخبين يتحدثون باسم حزب داخل المؤسسات، بينما ينسجون خيوط الولاء مع حزب آخر في الكواليس.
هذه الممارسات لا تعكس فقط غياب الانضباط الحزبي، بل تكشف عن فراغ إيديولوجي مهول، يجعل الانتماء مجرد قميص يُبدّل حسب الطقس الانتخابي.
الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك لم يعد يُمارس في الخفاء، بل أصبح علنياً ومكشوفاً، إلى درجة أن بعض المنتخبين يوزعون “القفة الانتخابية” باسم حزب، بينما يمهدون الطريق للترشح باسم حزب آخر، إنها حالة من “التجارة السياسية” التي تفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها، وتحولها إلى سوق مفتوح للمصالح الضيقة.
وفي خضم هذا العبث، تدفع مدينة برشيد الثمن غالياً، فبينما ينشغل بعض المنتخبين بإعادة ترتيب مواقعهم الحزبية، تغرق المدينة في التهميش: بنية تحتية مهترئة، مرافق عمومية غائبة، خدمات صحية متردية، وشباب يائس من واقع لا يحمل أي أفق، وكأن الصراع السياسي لا يدور حول خدمة المواطن، بل حول اقتسام كعكة انتخابية تُوزّع بمنطق الولاءات لا الكفاءات.
هذا الواقع لا يهدد فقط صورة الأحزاب، بل ينسف الثقة في العملية الانتخابية برمتها. فكيف يمكن إقناع المواطن بالتصويت، وهو يرى ممثليه يتنقلون بين الأحزاب كما تُبدّل الأقنعة؟ وكيف يمكن الحديث عن برامج ومشاريع، في ظل غياب أي التزام سياسي حقيقي؟
إن ما تعيشه برشيد اليوم هو نتيجة تراكمات من التسيب السياسي، حيث غابت المحاسبة، وتراجعت أدوار التأطير الحزبي، وترك المجال مفتوحًا أمام الانتهازيين لصياغة مشهد سياسي هجين. وهو وضع يفرض على الأحزاب، إن كانت جادة، أن تستعيد دورها التأطيري، وتقطع مع منطق “الترحال الموسمي”، عبر فرض معايير صارمة في الترشيح والمساءلة.
في النهاية، لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية على أرضية رخوة من الانتهازية، فإما أن تستعيد السياسة معناها النبيل كخدمة للصالح العام، أو تظل رهينة لممارسات تُقوّض ما تبقى من ثقة المواطن، وتدفعه أكثر نحو العزوف واللامبالاة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد