شيشاوة: شوارع المدينة تتحول إلى مستشفيات مفتوحة وتكشف فشلا صامتا في تدبير الصحة النفسية

هبة زووم – شيشاوة
لم تعد حالات التشرد والاضطرابات النفسية التي تجوب شوارع شيشاوة مجرد مشاهد عابرة يمكن تجاهلها، بل تحولت إلى مؤشر صادم على فشل صامت في تدبير ملف اجتماعي وإنساني بالغ الحساسية.
مدينة كانت إلى وقت قريب تُعرف بهدوئها، باتت اليوم مسرحاً مفتوحاً لحالات إنسانية مأزومة، تُركت لتواجه مصيرها في الفضاء العام، في غياب شبه تام لبنيات احتضان حقيقية.
التدخل الذي وثّقه حسن بنسعود، رئيس فرع المركز المغربي لحقوق الإنسان، يوم 2 ماي 2026، ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل يومي يتكرر بصمت: أشخاص يعانون اضطرابات نفسية، يُنقلون من الشارع إلى سيارة إسعاف، أو يُدفعون بعيداً عن الأنظار، دون أي أفق للعلاج أو الإدماج.. مشهد يختزل الحقيقة المرة: الدولة تدبّر النتائج، لكنها تغيب عن معالجة الأسباب.
فحين تغيب مراكز الصحة النفسية، وتُعدم فضاءات الإيواء، تتحول الشوارع تلقائياً إلى مستشفيات مفتوحة، وإلى فضاءات لتجميع الهشاشة بكل أشكالها.
وفي هذا الفراغ، يجد الأمن الوطني وأطر الإسعاف أنفسهم في الصف الأمامي، يؤدون أدواراً تتجاوز اختصاصهم، في محاولة لاحتواء وضع اجتماعي يتفاقم يوماً بعد يوم.
لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها، أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت نجاعتها الظرفية، تبقى عاجزة عن حل أزمة نفسية واجتماعية مركبة، فلا يمكن “توقيف” الاضطراب النفسي، ولا “إبعاد” التشرد بقرار إداري.
تنامي هذه الظاهرة ليس معزولاً عن سياق أوسع من الفقر، والهشاشة، وغياب المواكبة الاجتماعية، إلى جانب تزايد أوضاع المهاجرين في وضعية صعبة، ما يضاعف الضغط على مدينة بإمكانيات محدودة.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو استمرار التعامل مع هذه الظواهر كأحداث معزولة، بدل الاعتراف بها كأزمة بنيوية تتطلب سياسة عمومية واضحة.
أين هي مراكز الصحة النفسية؟ أين برامج إعادة الإدماج؟ وأين التنسيق الحقيقي بين القطاعات المعنية؟ أسئلة تتكرر، لكن دون أجوبة عملية على أرض الواقع.
ما يجري في شيشاوة اليوم يعكس منطقاً واضحاً: إدارة الأزمة بدل حلها، فبدل بناء منظومة متكاملة للرعاية، يتم الاكتفاء بتدخلات آنية تُعيد إنتاج نفس المشهد في اليوم الموالي.
وفي ظل هذا الفراغ، تُترك الفئات الهشة لمصيرها، وتُترك الساكنة لمخاوفها، وتُترك المؤسسات الأمنية والصحية لتحمل عبء لا يدخل أصلاً ضمن اختصاصها.
التشرد والاضطرابات النفسية في شيشاوة ليسا قدراً، بل نتيجة مباشرة لسياسات غائبة واختيارات مؤجلة، وما لم يتم الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى بناء حلول هيكلية، فإن الشارع سيظل الملاذ الأخير لمن فقدوا كل شيء، والدليل الأوضح على خلل عميق في منظومة يفترض أنها تحمي الجميع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد