سطات تحت رحمة الغلاء أو حين تغيب المراقبة ويُترك المواطن لمصيره

هبة زووم – أحمد الفيلالي
سطات لم تعد فقط مدينة تعاني من اختلالات عابرة، بل تحولت إلى نموذج صارخ لفوضى اجتماعية واقتصادية تتغذى من غياب المراقبة وضعف التدخلات الحازمة.
وفي مشهد يختلط فيه العبث بالتقصير، يجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة موجة غلاء متصاعدة، دون أي حماية حقيقية أو آليات ردع تعيد التوازن للسوق.
الواقع اليوم يكشف صورة مقلقة: أسعار ملتهبة تضرب في العمق القدرة الشرائية لشرائح واسعة من الساكنة، مقابل غياب شبه تام لأدوار المراقبة والتتبع.
ولم يعد الأمر مجرد ارتفاع ظرفي، بل تحول إلى نمط مستقر من الفوضى، حيث تُحدد الأسعار وفق منطق المضاربة والانفلات، لا وفق قواعد العرض والطلب أو الضوابط القانونية المؤطرة.
في شوارع وأحياء المدينة، تتجسد الأزمة بشكل يومي. مواطنون يواجهون صعوبات متزايدة في تأمين أبسط متطلبات العيش، وشباب غارق في البطالة والتيه، وفضاءات عامة تعكس حالة من التسيب، حيث تختلط مظاهر الهشاشة الاجتماعية بغياب الحد الأدنى من التنظيم، أما الأسواق، فقد أصبحت مسرحاً مفتوحاً لكل أشكال التلاعب، دون رقيب أو حسيب.
الخطير في هذا الوضع ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل الإحساس العام بانعدام العدالة، فحين يُترك المواطن تحت رحمة تقلبات السوق، دون تدخل فعلي لحمايته، فإن ذلك يضرب في العمق الثقة في المؤسسات، ويغذي منسوب الاحتقان الاجتماعي، فالدقيق والزيت والخضر واللحوم لم تعد مجرد مواد استهلاكية، بل تحولت إلى مؤشرات حقيقية على عمق الأزمة.
المفارقة الصادمة أن هذه الأوضاع تتفاقم في صمت، وكأن ما يحدث أمر عادي أو قدر محتوم، لا حملات مراقبة صارمة، ولا إجراءات ردعية واضحة، ولا حتى تواصل يشرح للرأي العام أسباب هذا الانفلات، هذا الصمت لا يمكن قراءته إلا كعجز أو تواطؤ غير مباشر مع واقع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، لم يجد المواطن البسيط سوى الاحتجاج كوسيلة للتعبير عن غضبه، صرخات متكررة تنبع من عمق المعاناة، توثقها الكاميرات وتنقلها المنصات، لكنها غالباً ما تنتهي دون أثر ملموس على أرض الواقع، وهو ما يعمق الإحساس بالإحباط ويؤكد أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة ثقة بامتياز.
إن ما تعيشه سطات اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لاختلال في الحكامة وغياب الجرأة في اتخاذ القرار. فإعادة ضبط السوق، وحماية القدرة الشرائية، وفرض احترام القانون، ليست شعارات للاستهلاك، بل مسؤوليات تستوجب تدخلاً عاجلاً وحازماً.
الرهان اليوم أكبر من مجرد خفض أسعار أو تنظيم حملات ظرفية، إنه رهان استعادة الثقة، ووضع حد لفوضى تُنذر بانفجار اجتماعي صامت، لأن استمرار هذا الوضع يعني ببساطة شيئاً واحداً: مزيداً من التدهور، ومزيداً من فقدان الأمل لدى فئات لم يعد لديها ما تخسره.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد