هبة زووم – محمد أمين
في مدينة السعيدية، التي يفترض أن تكون واجهة سياحية متوسطية تعكس صورة النظافة والجاذبية، تحولت الأزبال خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من المشهد اليومي، في ظل شكاوى متكررة من ضعف خدمات النظافة وتراجع جودة تدبير الفضاءات العمومية.
واليوم، تعود الجماعة إلى واجهة الجدل من جديد بعد إطلاق طلب عروض دولي مفتوح تتجاوز قيمته 20 مليون درهم، أي أزيد من ملياري سنتيم، لتفويض قطاع جمع النفايات المنزلية وتنظيف المدينة.
الصفقة الجديدة، التي وقع رئيس جماعة السعيدية على إطلاقها، لا تبدو مجرد عقد تقني عادي، بل تفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة حول مصير المال العام، وهوية الشركة التي ستفوز بهذا “الكعك المالي”، ومدى قدرة الجماعة على فرض احترام دفتر التحملات، خصوصاً في مدينة عانت طويلاً من اختلالات التدبير المفوض ووعود “النظافة الموسمية” التي كانت تنتهي غالباً بمجرد انتهاء فصل الصيف.
دفتر التحملات يتحدث بلغة مثالية عن الكنس اليدوي والميكانيكي، وتنظيف الأسواق والساحات، والتدخل خلال المناسبات الدينية والثقافية والرياضية، والعناية بمواقع الباعة المتجولين، وإفراغ الحاويات، وتنظيف مخلفات الحيوانات، وتوفير خطط خاصة خلال شهر رمضان وعيد الأضحى والمواسم السياحية، غير أن السؤال الذي يطرحه الشارع المحلي اليوم ليس ما كُتب داخل الوثائق الإدارية، بل ما الذي سيتحقق فعلياً فوق أرض الواقع؟
فالساكنة التي عاشت لسنوات وسط أكوام النفايات والروائح الكريهة والحاويات المتهالكة، لم تعد تثق بسهولة في لغة الأرقام والعقود، بقدر ما تنتظر نتائج ملموسة تعيد للمدينة جزءاً من صورتها المفقودة، لأن الإشكال الحقيقي في السعيدية لم يكن يوماً في غياب الصفقات أو نقص الاعتمادات المالية، بل في غياب الصرامة في التتبع والمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المفارقة المثيرة أن قيمة الصفقة تبدو ضخمة مقارنة بما تعيشه المدينة ميدانياً من مظاهر تراجع بيئي واضح، وهو ما يدفع كثيرين للتساؤل: كيف يمكن لمدينة تُصرف فيها الملايين على النظافة أن تبدو بهذا المستوى من التدهور؟ وأين كانت المجالس المتعاقبة وأجهزة المراقبة عندما كانت الشوارع تغرق في الأزبال خلال ذروة المواسم السياحية؟
ويخشى متابعون للشأن المحلي أن تتحول هذه الصفقة، كغيرها من صفقات التدبير المفوض، إلى مجرد باب جديد لاستنزاف المال العام، خاصة إذا غابت المراقبة الصارمة وترك المجال للشركة المفوض لها لتدبير القطاع بمنطق الربح السريع وتقليص التكاليف على حساب جودة الخدمة.
فالرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في اختيار الشركة “الأوفر حظاً” للفوز بالصفقة، بل في ضمان احترامها الكامل لالتزاماتها التقنية والبيئية، مع فرض مراقبة يومية دقيقة على جودة الخدمات المقدمة، لأن النظافة ليست ترفاً تجميلياً، بل حق أساسي للمواطن وشرط رئيسي لصورة المدينة السياحية.
إن السعيدية، التي تتطلع إلى استعادة بريقها كوجهة سياحية، لا تحتاج فقط إلى عقود بملايين الدراهم، بل إلى إرادة حقيقية تقطع مع منطق التدبير الموسمي والوعود الاستهلاكية.
فالمدينة التي تُصرف فيها الملايير دون أثر واضح على حياة المواطنين، تصبح فيها الصفقات مجرد أرقام ضخمة بلا روح، بينما يبقى المواطن وحده من يؤدي ثمن الفشل واللامبالاة.
تعليقات الزوار