بعد فضيحة “النمذجة”.. وزير التعليم يرسم صورة وردية للإصلاح والواقع التربوي يطرح أسئلة محرجة

هبة زووم – محمد خطاري
يحاول محمد سعد برادة رسم صورة متفائلة لمسار إصلاح التعليم بالمغرب، من خلال حديثه المتكرر عن “النجاحات غير المسبوقة” التي تحققها “مدارس الريادة”، غير أن هذا الخطاب الرسمي المفعم بالأرقام والمؤشرات يثير، في المقابل، كثيراً من علامات الاستفهام داخل الأوساط التربوية وبين الأسر المغربية التي ما تزال تصطدم يومياً بأعطاب المدرسة العمومية واختلالاتها المزمنة.
فالوزير، الذي اختار من مدينة فاس منصة للتأكيد على أن ورش الإصلاح “يسير في الطريق الصحيح”، قدم حصيلة وردية لخارطة الطريق 2022-2026، متحدثاً عن تقليص الهدر المدرسي وتحسن التعلمات وارتفاع نسب تعميم التعليم الأولي، بل وعن اهتمام دولي بالتجربة المغربية.
لكن بعيداً عن لغة العروض الرسمية واللقاءات الحزبية، يظل السؤال الجوهري مطروحاً بإلحاح: هل يشعر التلميذ المغربي فعلاً بهذا “التحول التاريخي” الذي تتحدث عنه الوزارة؟
الواقع الميداني في عدد كبير من المؤسسات التعليمية ما يزال يكشف صورة مغايرة تماماً؛ أقسام مكتظة، خصاص في الأطر، مؤسسات تفتقر لأبسط التجهيزات، وضعف واضح في مستوى التعلمات الأساسية، فضلاً عن الفوارق الصارخة بين العالم القروي والمدن الكبرى، وهي اختلالات تجعل جزءاً مهماً من الرأي العام يتعامل بحذر مع لغة “النجاحات الكبرى” التي تروجها الوزارة.
وإذا كانت الوزارة تعتبر أن “مدارس الريادة” حققت أثراً بيداغوجياً مرتفعاً وفق تقييمات دولية، فإن عدداً من المتابعين يرون أن تعميم أي تجربة قبل إخضاعها لنقاش تربوي ومجتمعي واسع قد يتحول إلى مجرد عملية تسويق سياسي لإصلاح لم تتضح نتائجه الحقيقية بعد على المدى البعيد.
كما أن حديث الوزير عن “إبعاد المدرسة عن التجاذبات السياسية” يثير بدوره الكثير من الجدل، خاصة وأن ملف التعليم ظل دائماً في قلب النقاش العمومي والسياسي باعتباره قطاعاً حيوياً مرتبطاً بمستقبل المجتمع والدولة معاً.
فالمطالبة بالمحاسبة وتقييم السياسات العمومية لا يمكن اختزالها في “تشويش” أو “مزايدات”، بل هي جزء من الرقابة الديمقراطية على قطاع استنزف ميزانيات ضخمة لعقود دون أن يحقق القفزة النوعية المنتظرة.

وفي الوقت الذي تحدث فيه الوزير عن رقمنة التعليم وإنتاج تسعة فيديوهات تعليمية يومياً، ما تزال مؤسسات عديدة بالمغرب تعاني من غياب الإنترنت والكهرباء والتجهيزات الأساسية، بل إن بعض المدارس لا تتوفر حتى على شروط الحد الأدنى للتعلم الكريم، الأمر الذي يطرح سؤال الفجوة بين الخطاب المركزي والواقع المحلي.
أما الحديث عن القضاء على الاكتظاظ بداية من الموسم المقبل، فهو وعد جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من الوعود السابقة التي ظلت تصطدم بارتفاع أعداد التلاميذ وضعف البنيات التحتية والخصاص في الموارد البشرية، ما يجعل جزءاً كبيراً من المتابعين يتعامل مع هذه التصريحات بكثير من التحفظ.
ولعل أخطر ما في هذا النقاش هو محاولة تقديم أي انتقاد لمسار الإصلاح باعتباره استهدافاً للمدرسة العمومية أو تشويشاً على الوزارة، في حين أن المدرسة المغربية تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تقييم حقيقي وشفاف، بعيداً عن لغة التطبيل أو السوداوية المطلقة.
فالإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المؤسسات المنخرطة في مشروع معين أو بحجم العروض الرقمية المنتجة، بل بمدى قدرة المدرسة العمومية على استعادة ثقة الأسر المغربية، وتحقيق العدالة المجالية، وضمان تعليم جيد يفتح فعلاً أبواب المستقبل أمام أبناء المغاربة، لا أن يبقى مجرد أرقام وإنجازات تُعرض في الندوات واللقاءات السياسية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد